الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

نجومية فوق الخمسين!

موظفٌ وواحدٌ من البشوات، فقيرٌ وشديدُ الثراء، صريحٌ متمسكٌ بالمبادئ وكاذبٌ يلعب على كل الأحبال، صلبٌ قوى الشخصية وحنونٌ ضعيفٌ لا حول له ولا قوة.. كل تلك المتناقضات اجتمعت فى ممثل واحد. كان الأقدر على استبدال شخصياته بنفس سهولة تبديل ملابسه التى يختارها فى كل دور يقدمه؛ لتكتمل الصورة شكلا ومضمونًا لوحش الشاشة، «فريد شوقى». 



الذى يشاهد أفلام المَلك فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، سيشعر وكأنه يرى فنانًا آخر غير الذى شاهدنا أفلامه فى الخمسينيات والستينيات. سيشعر كما لو أن «جنيًا» كان يسكن بداخل هذا الفنان لأكثر من ربع قرن من التمثيل. «جِنّىٌّ» كان كامنًا وهادئًا، منتظرًا اللحظة المناسبة والأمر الذى يصدره له المَلك ليخرج منفجرًا فى مجموعة من الأدوار التى لم يحققها بهذه البراعة وذاك التنوع فى تاريخ السينما، سوى عدد محدود من الممثلين، الذين يُعَدون على أصابع اليد. 

بَعد سنوات من أدوار البطولة والنجومية وتكسير شباك التذاكر بإيرادات لم يكن لها منافس ولا مَثيل، وبَعد تقديم أكثر من 200 فيلم احتل فيها وحش الشاشة صدارة المشهد. كبطل لا يغلبه أحدٌ، نجم لم يخفت بريقه ومَلك لن يهتز عرشه.. بَعد أن تجاوز الخمسين، أدرك النجم الكبير «فريد شوقى» أن الأحوال والأوضاع فى السينما قد تغيرت، كما تغيرت صورة مصر بأكملها. أصبح هناك أجيالٌ جديدة بزغ نجمُها، أحدثت ما يُعرَف بلغة السينما «مزج تدريجى»، فأوشك جيلٌ كامل على الانتهاء بأفكاره وموضوعاته وفنانينه وظهر أو بدأ فى الظهور جيل جديدٌ بمضمون وشكل سينمائى مختلف. 

عَرف المَلك أنه آن الأوان للدخول فى منطقة جديدة، لكنه كان من أذكى مَن وطأ تلك المنطقة من الممثلين فى جيله والجيل الذى سبقه، وربما الذى لحقه، استطاع الملك أن يظل محتفظا بمكانته واستمرت صورته مضاءة فى المَشهد الجديد، لم تخفت أو تزول. ورُغم أن نصف الشخصيات التى قدّمها فى تلك الفترة، لم تستحوذ على البطولة من الجلدة للجلدة، كما كان يحدث فى أفلامه الخاصة؛ فإنه كان قادرًا على خطف الأنظار والقلوب والأهم من هذا وذاك ملأ العقول.. كان هو «عمود الخيمة» الذى إن سقط أو اختل تهاوَى معه العمل بأكمله. أضاف من خبرته وقدراته وروحه ما يزيد على نصف نجاح تلك الأعمال، أدواره رُغم اختلافها؛ فلا يمكن أن نتخيل ممثلًا آخر يؤديها غير «فريد شوقى».

لم تعد أدوات المَلك فى المرحلة الجديدة، هى نفسها التى استخدمها فى الماضى. مضمونًا وشكلا تطورت أسلحة الملك. أمّا عن المضمون فالمتغيرات السياسية والاجتماعية فرضت الدخول فى مناطق مختلفة. الرموز فى السينما الجديدة ليست شعارات مكتوبة على الجدران، بل شخصيات مجسّدة على الشاشة. لم تعد السينما موالية للنظام وللدفاع عنه، بل أداة تنتقد بعنف وجرأة.   

شكلا، غابت أسلحة المَلك المعتادة، التى اعتمدت على بنيانه الجسدى، تحطيم الأنوف والرؤوس، ضرب كرسى فى الكلوب ومطالبة الجمهور بـ«سقفة للنبى».. استبدل الملك تلك الأسلحة بأخرى كانت مدفونة بداخله نتيجة الشروط التى فرضتها عليه النجومية ورغبات الجمهور وأسلوب العمل فى تلك الفترة. أسلحة جديدة أظهرت قدرات غير عادية على التقمس والالتحام بالشخصيات، شخصيات حقيقية وليست دراما مصنوعة، بداية من المَظهر الخارجى الذى كان واحدًا من أهم أدوات الملك طوال حياته، فهو من أكثر الممثلين القادرين على اختيار الأزياء المناسبة لكل دور، وإتقان التفاصيل التى تبث روحًا فى الشخصية التى يقدمها.. نبرة صوته تتغير، لغته الجسدية ولازمات حركات يديه وجسده تتبدل. الخلاصة أن الملك كان فى فترتى السبعينيات والثمانينيات يعمل بـ«مزاج رائق».

فى عام 1975م، وكان يبلغ الفنان الكبير وقتها 55 عامًا، ظهر فى دور ثانٍ فى فيلم (الكرنك) ثانى أفلام المخرج الشاب آنذاك «على بدرخان».. يقدم المَلك فى هذا الفيلم دورًا صغيرًا ولكنه شديد التأثير،«دياب» والد البطلة «زينب» التى تتعرض لأهوال من قبل مراكز القوى، الاستيعاب الشديد لهذه الشخصية يظهر فى مَشهد واحد يحاول فيه الأبُ السّكير أن يخفف من وطأة ما حدث لابنته، وانطلاقا من جهله وتواضعه يحدثها ببساطة عن الإرادة، فى واحد من أرق وأعذب مَشاهد الفيلم.   

يستمر تألق المَلك، ويتنقل بخفة من أدوار البطولة للأدوار الثانية والثالثة أحيانًا، ولكل دور يقدمه «دور» فى العمل بأكمله، هو مفتاح الحبكة الدرامية والسبب الرئيسى فى أزمات الأبطال فى اثنين من أهم أفلامه (السقا مات) إخراج «صلاح أبو سيف» 1977م، و(أفواه وأرانب) إخراج «بركات» فى العام نفسه.

«شاكر باشا» غنى الحرب، الذى يجلس فى أحد المَشاهد على مائدة الطعام، يملأه الغل والحقد على صبى تمكن بموهبته من نَيل بعثة للدراسة فى أمريكا. أمريكا التى لطالما حلم «الباشا» بالاقتراب منها أو من أى أصحاب سُلطة أو نفوذ قوى، يصرخ الباشا مشيرًا بسكين الطعام:«سهلة أمريكا دى سهلة كأنه رايح الأنفوشى». الشخصية والمَشهد من فيلم (إسكندرية ليه) إخراج «يوسف شاهين».. المخرج الذى استغل كل مناطق الشر التى يمتلكها المَلك، الشر المُطلق فى (صراع فى الوادى)، الشراسة والرغبة فى الانتقام فى (نداء العشاق)، القوة التى يفسرها الضعفاء بأنها شر فى (باب الحديد) وهنا فى (إسكندرية ليه) نوع جديد من الشر المرتبط بتبدل الوجوه وارتداء الأقنعة لتحقيق المصالح. 

اثنان من مخرجى الواقعية الجديدة المتميزين، «عاطف الطيب ومحمد خان»، استغلا قدرات هذا الفنان العملاق فى فيلمين لكل منهما. مع «عاطف الطيب» يظهر المَلك فى شخصيتى «رشاد» فى (ملف فى الآداب) عام 1986م و«سيد الراوى» فى (قلب الليل) عام 1989م. فى الفيلم الأول يؤدى شخصية الموظف الذى يرضخ لضابط الشرطة الظالم ويعترف كذبًا على زملائه حتى يخرج من قضية الآداب المُلفقة لهم. الانكسار الذى يسير به «فريد شوقى» وهو خارج من مكتب المحقق يلخص كل معانى الظلم والخنوع، الخوف والاستسلام، احتقار الذات، يسير منكمشًا، كما لو أن الجدران تطبق على جسده. 

أمّا «محمد خان» فكان من أكثر المُخرجين الذين تمتعوا بموهبة المَلك، وإن كانت لم تلمع بقوة فى فيلم (طائر على الطريق) عام 1981م، إلا أن بريقها كان لا يُوصف فى التعاون الثانى فى فيلم (خرج ولم يعد) عام 1984م، الريفى الذى عاش شبابه فى باريس، الثرى الذى بدّد ثروته على ملذات الحياة؛ خصوصًا (الطعام)، فهو الذى وجد فى الأكل متعته وضالته، نراه يأكل فى كل مَشاهد الفيلم بذات المتعة، سُفرة مُعدة بالكامل بما لذ وطاب أو طبَقًا من البيض المقلى أو حتى ثمرة يوسفى أو برتقالة.  

فى عامَى 1981 و1983م يشارك الملك أيضًا فى بطولة فيلمين لاثنين من المخرجين الجُدد، «رأفت الميهى» فى (عيون لا تنام) و«سمير سيف» فى (الغول).. ورُغم سذاجة الشخصية التى يقدمها فى الفيلم الأول؛ فإنه يقدم واحدًا من أشرس أدواره فى الفيلم الثانى. «فهمى الكاشف» أحد حيتان الانفتاح، فاسدٌ، قاسٍ، مغرورٌ. يدخل فى صراع مع صحفى شريف، متمرد، يسارى. يتمكن الحوت الفاسد من الانتصار فى المعركة ولكنه ينال حتفه فى مَشهد يُعد إعادة تجسيد لحادث المنصة الذى قُتل فيه «السادات»، لدرجة أن القتيل هنا ينطق بالكلمة نفسها التى نطقها «السادات»،«مش معقول».. فهمٌ عميق صاحب المَلك فى هذا الفيلم ليس فقط للشخصية التى يجسدها بل لمفهوم الفيلم بالكامل والفكرة التى بنَى عليها الكاتب «وحيد حامد» قصته.

نجومية المَلك الثانية التى صاحبته منذ منتصف السبعينيات، انطلقت من فكرة التنوع التى حرص عليها. فمن أفلام ميلودراما تُبكى الحَجَر، لأعمال كوميدية لاتزال قادرة على الإضحاك فى كل مرّة تُعرض فيها. من دعمه للكثير من المخرجين الشباب والتجريب معهم، لمساهمته كمنتج فى بقاء السينما رُغم أزمتها.

فى النصف الثانى من عمره حقق نجومية تضاهى نجوميته الأولى فى سِنِى شبابه. معادلة صعبة لم يقدر عليها ولم يفعلها غير المَلك.