الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

فريد شوقى.. وطريق الريحانى المسرحى

فى المسرح ذهب الفنان الكبير فريد شوقى إلى عالم الكوميديا، وذلك فى إطار تنوعه الثرى كفنان كبير قدم أدوارا متنوعة على شاشة السينما التى كانت معشوقته الأثيرة، وهو النجم الذى بقى فيها بطلا  فى كل مراحل عمره. وقدم أعمالا نادرة فى الدراما التليفزيونية فى إطار تنوعه الهائل، إلا أن المسرح أخذ من فنه الكثير. فقد كان وهو فى قمة توهجه الفنى، ونجوميته السينمائية كثيرا ما يتجه للمسرح.



 

ذلك اللقاء الحى المباشر الممتع مع الجمهور.

وربما كان اختياره للكوميديا الخفيفة اختيارا أساسيا فى اقترابه من عالم المسرح، أحيانا ما تتجه للنوع الغنائى الاستعراضى المرح مثل مسرحيته شارع محمد على مع النجمة الرائعة شريهان، وكثيرا ما تأخذ اتجاها نحو كوميديا الموقف الراقية ذات الطابع الأنيق القائم على الحس الإنساني.

وهو فى هذا الاتجاه سار مسارا منتظما مع فرقة نجيب الريحاني.

وكان يقدم معها تراث نجيب الريحانى العبقرى الخالد، ولذلك فالفنان المسرحى فريد شوقى كان قد وقع فى هوى الاتجاه المسرحى الضاحك المغلف بحس إنسانى عميق من الشفقة والعطف على الإنسان المتوسط العادى ومصيره المتحول للأفضل بسبب طيبته وحسن أخلاقه.

وقد كان هذا النموذج للإنسان المصرى المتوسط، هو اتصال لما كتبه العبقرى بديع خيرى مع رفيق عمره نجيب الريحانى بموجة إنسانية صاحبت صعود الطبقة المتوسطة الأوروبية لأدوار البطولة فى المسرح اتساقا مع حضورها العام فى دور المسارح كجمهور يدفع قيمة الإنتاج المسرحى ويشترى الصحف ويمتلك الاقتصاد العام فى مختلف المجالات كقوى عمل وإنتاج مؤثر فى الحياة اليومية مع القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وهو النوع الذى ظهر امتداده فى مصر فى جنسه الكوميدى الاجتماعى الإنسانى على يد نجيب الريحانى المتأثر آنذاك بالمسرح الفرنسي.

وقد كان هذا التأثر بالمسرح الأوروبى تأثرا يصل فى بعض الأحيان إلى درجة من التمصير، والتعديل فى البناء الدرامى لا يصبح معها للأثر الأصلى للمسرحية أي معالم واضحة.

لكن من المستقر أن الريحانى وبديع خيرى كانا ينهلان من معين المسرح الفرنسى غزير الإنتاج فى نوع «الفودفيل» المسرحى وهو نوع يقوم على حبكة درامية جيدة الصنع، وربما على بساطته، ووجود بعض الغناء البسيط به، إلا أنه محكم الصنعة الدرامية.

ولم يكن الريحانى يميل للغناء أو الاستعراض البسيط، لكنه كان يميل إلى طريقة مدهشة تقلد الأصل لدقائق درامية بعينها، ذلك التقليد المبدع الذى يسمح لطريقة فريد شوقى الخاصة بالتجلى طوال المسرحية.

ولعل من أكثر المسرحيات التى يحبها المصريون له هى مسرحية (الدلوعة) وهى تعد نموذجا لذلك الحضور المختلف لفريد شوقى على المسرح متفاعلا مع عالم نجيب الريحانى يحمل طابعه، ولا يفقد فيه بصمته الخاصة كنجم كبير.

قدمت مسرحية (الدلوعة) التى لعب فيها معه أدوار البطولة الفنانة المبدعة نيللى والفنان الكبير.أبوبكر عزت، عام 1969، وبقيت حاضرة إلى الآن على شاشات التليفزيون وعلى الشبكة الدولية للمعلومات كدليل باق على حيوية وفهم وإدراك النجم فريد شوقى لطبيعة الجمهور العام فى مصر، والذى عرف كيف يتواصل معه فى السينما، وبالتالى دخل إليه من باب نجيب الريحانى وهو باب الجمال والعمق القائم على بساطة سهلة، لكنها بكل تأكيد هى السهل الممتنع.

تدور أحداث مسرحية «الدلوعة» حول أنور أفندى الطيب الموظف فى ديوان من دواوين الحكومة، والذى يستضيف فى بيته الكائن فى ضاحية ريفية صديقه المخرج السينمائى سفرجل الذى قام بلعبه الفنان أبوبكر عزت، ومعه الممثلة السينمائية صديقة كناريا التى لعبت دورها الفنانة سعاد حسين، وتبدأ المسرحية لندرك أنهما ضيفان ثقيلان يعيشان على دخله المتواضع، ويعود من عمله ليخبر صديقه بضرورة التخلص من كناريا لأن باشكاتب المصلحة سيزوره فى منزله غدا ليتناول الغداء ومعه زوجته والتى أدتها الفنانة مارى منيب.. وبينما تمضى الأمور عادية مع الأنماط الضاحكة للمفلسين مع خادمته، يحدث أن نسمع صوتا لانفجار إطار عربة «الدلوعة» فكرية الزعفرانى، والتى أدت دورها الفنانة نيللى، وبوصولها وبحدوث هذا الصوت المدوى، يحدث انقلاب فى حياة أنور أفندى، وهو البطل الذى جسده فريد شوقى بحس فكاهى ساخر، ليدخل السائق والذى جسده الفنان محمد شوقى طالبا المساعدة فى إصلاح الإطار، وعندما يرى سفرجل فكرية وجمالها ودلالها يلحظ انجذابا ما لها مع صديقه أنور فيقرر قلب الأحداث، وإذ تذهب الفنانة آمال شريف مع السائق للمحطة (أقرب محطة قطار) وهى فى دور الخادمة فى إطار مداعبات مرحة مع السائق، يقوم سفرجل بتفجير الإطار الثانى كى تقضى فكرية الجميلة ليلتها فى بيت أنور، لتنقلب حياته رأسا على عقب، ويحضر الباشكاتب وزوجته ومعهما ابنتهما «طعمة» خطيبة أنور أفندى، ويستريب الباشكاتب من وجود فكرية وكناريا، خصوصا أن فكرية تعاملهما بطريقة متعالية وتسب الباشكاتب وزوجته، مما يؤدى لإفساد خطوبة أنور، وبعدها يحضر والد فكرية وخطيبها فيفسد سفرجل خطبة فكرية بأن يقنع خطيبها بأنه لا داعى لعتابها لقضائها ليلة خارج المنزل، مما يغضب فكرية وتراه رجلا غير ذى كرامة فتفسد الخطوبة، وفى اليوم التالى وبينما تذهب فكرية لأنور فى العمل لإصلاح ما أفسدته، تؤدى إلى تفاقم المشكلات، والتى تنتهى بفصله من عمله، وهنا يقوم سفرجل بوضع صورة فكرية على مكتب أنور، ويقنعها بأنه يحبها لكنه ونظرا للفارق المالى الكبير لايريد أن يصارحها بحبه وتنجح خطة سفرجل إذ تعبر فكرية عن إعجابها بأنور وبسمو أخلاقه، وتنتهى المسرحية بزواجهما وطرد أنور من خدمة الحكومة ودواوينها.

والمسرحية من تأليف بديع خيرى إلا أن بصمة نجيب الريحانى فى الحوار تظل حاضرة، وهى مصورة بطريقة احترافية للمخرج حافظ أمين فى منظرين واقعيين فى صياغة تشكيلية أنيقة منتظمة، لصالة البيت، ومكتب أنور أفندى، وفى حبكة درامية جيدة الصنع، يقوم فيها سفرجل بقلب المصائر وتغيير الرغبات، وقد أدرك فريد شوقى أن الضحك فى هذا النوع المسرحى مصدره الجدية، وأنه يحتاج لمجموعة متميزة من الممثلين، وهذا ما كان متوافرا بفرقة نجيب الريحاني.

ويبقى حضور النجم فريد شوقى فى تألقه ووهجه شابا قويا يحاول التعامل مع مجموعة ثرية من الفنانين علامة واضحة على هذا النوع المسرحى الكوميدى المدعوم بالحس الإنسانى القائم على كوميديا الموقف، والذى ظل فى مصر سنوات طويلة عنوانا للأناقة والبساطة والجمال، وفى القلب كان من كل ذلك الفنان النجم المسرحى المختلف فريد شوقي.