الخميس 6 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

إعلان الحرب على فوضى البناء

«كل مواطن يطلب الحصول على شقة سنعطيه وفق شروط ميسرة وبمساعدة الدولة».. هكذا قطع الرئيس عبد الفتاح السيسى وعدًا على الدولة بتغطية حجم الطلب المحلى فى سوق العقارات، فى الوقت الذى أصدرت الحكومة قرارًا بوقف البناء فى المدن وعواصم المحافظات لوضع حد لحالة الانفلات فى مخالفات البناء. 



 

السيسى خلال افتتاحه المرحلة الثالثة من مشروع الأسمرات لتعويض سكان العشوائيات شرح الخطوط العريضة لرؤيته العامة للتعامل مع البناء فى مصر والتى تهدف للقضاء على حالة الفوضى التى تسيطر على سوق العقارات فى مصر والتى تظهر بوضوح فى العاصمة وتؤثر بشكل حاد على المرافق والمرور وغيرها. 

 

الرؤية الرئاسية عبر عنها الرئيس بوضوح خلال مشاركته فى افتتاح المرحلة الثالثة من مشروع بشائر الخير بالإسكندرية أواخر يونيو الماضى، عندما أكد ضرورة تفعيل القانون ضد المخالفات والمخالفين لقواعد البناء، علاوة على تفعيل سلطة المحافظين والجهات المشرفة خاصة التابعة للجامعات.

 

وشدد الرئيس على أن وجود العشوائيات جاء نتيجة لفساد يعتبره الخطر الأكبر، الذى يهدد الدولة بشكل أكبر مما يمثله الإرهاب الذى تحاربه الدولة بكل قوة، مؤكدًا أن هذا الأمر لا يمكن أن يستمر قائلًا: «لا يمكن الدولة تفضل تجرى وراء العشوائيات طول العمر، لذلك يجب أن يتم القبض على أى مخالف لتصاريح البناء وعدم الاكتفاء بهدم المبانى والمنشآت المخالفة»، ووجه بأن هذا الأمر يجب أن يكون من أولويات الحكومة، لأن تلك المخالفات التى كونت العشوائيات، تشكل خطرًا داهمًا على البنية الاجتماعية والسلوكية للمجتمع.

 

البداية بالعشوائيات

 

منذ اللحظة الأولى لتولى السيسى مقاليد السلطة فى العام 2014، كانت مشكلة العشوائيات فى بؤرة اهتمامه إذ اعتبرها بمثابة قضية أمن قومى، وواحدة من أهم الملفات الداخلية ومنذ تلك اللحظة تبذل الدولة جهودًا كبيرة خلال السنوات الست الأخيرة، حتى بدأت هذه الجهود تؤتى ثمارها مؤخرًا بعد افتتاح عدد من المشروعات السكنية الجديدة. 

 

الخطة التى انطلقت فى عام 2014، وأنفق عليها ما يزيد على 12 مليار جنيه سنويًا، لا تزال فى المراحل الأولى منها نظرًا لحجم العشوائيات الضخم والذى بات يسيطر على 50 % من المناطق المأهولة بالسكان، وتهدف للقضاء على هذه المناطق الخطرة وغير المخططة، بتكلفة إجمالية تزيد على 350 مليار جنيه، من المقرر أن تنفق على مدار السنوات العشر القادمة.

 

ونجحت الدولة بالفعل خلال السنوات الأربع الماضية على تطوير المناطق العشوائية التى تمثل خطورة داهمة، ففى القاهرة تم نقل سكان بعض هذه المناطق إلى حى الأسمرات الجديد، وإعادة تطوير منطقة تل العقارب وتحويلها إلى «روضة السيدة»، وشهدت الإسكندرية تطوير منطقة «غيط العنب»، من خلال مشروع «بشائر الخير».

 

خطة الدولة

 

تشكل العشوائيات وفقًا للتقديرات الرسمية أكثر من نحو 40 % من مساحة العمران فى البلاد، وهى مناطق تعانى من نقص حاد فى المرافق والخدمات، إضافة إلى ارتفاع الكثافة السكانية، وانتشار القمامة، والقبح فى شكل المبانى والطرق، وفى محاولة لوضع حد لهذه المشكلة وضعت الحكومة المصرية مخططًا لتجميل وتطوير المناطق العشوائية غير المخططة، وتحسين نمط الحياة بها، من المقرر الانتهاء منه بحلول عام 2030.

 

وبدأت الحكومة ممثلة فى صندوق تطوير العشوائيات منذ بداية العام الجارى 2020، العمل على تطوير ورفع كفاءة المرافق فى المناطق العشوائية غير المخططة التى تشكل نحو 40 % من مساحة العمران فى مصر.

 

كشف المهندس خالد صديق، رئيس صندوق تطوير العشوائيات عن أن عام 2019 شهد إقامة 114 ألف وحدة سكنية فى 201 منطقة، بتكلفة 22 مليار جنيه، موضحًا أن العام الماضى شهد أيضًا بداية العمل فى تطوير 156 منطقة أخرى لإنشاء 108 آلاف وحدة بتكلفة تقدر بـ10 مليارات جنيه.

 

ولفت أن هذا العام سيشهد إعلان مصر خالية من المبانى غير الآمنة، كما أنه سيتم الانتقال إلى مرحلة تطوير المناطق غير المخططة والتى تبدأ من محافظة الإسكندرية، لتتبقى المرحلة الأخيرة من خطة تطوير العشوائيات والتى تشمل الأسواق العشوائية، وأوضح أن المناطق غير المخططة تعنى تلك التى تفتقر إلى شبكات الصرف الصحى والكهرباء والغاز والطرق، مستطردًا أن بعض هذه المناطق تمتلك بنية أساسية ولكنها تمتلك كثافة سكانية كبيرة نتيجة عشوائية البناء.

 

وكشف أن مساحة المناطق غير المخططة على مستوى المدن والحضر تصل إلى 160 ألف فدان غير مخطط / والتى توجد بـ221 مدينة إجمالى مساحتها 417 ألف فدان، موضحًا أن تكلفة تطوير المناطق غير المخططة تصل لحدود 350 مليار جنيه على مدار 10 سنوات.

 

ولفت إلى أن خطة البدء فى تطوير هذه الأماكن ستنطلق من المدن الكبرى وعواصم المحافظات، مضيفًا أنه تم العمل بالفعل فى بعض المناطق فيما يقوم الصندوق بعقد اتفاقات وانتظار المقايسات الخاصة بالتطوير فى مناطق أخرى.

 

نموذج الأسمرات

 

لم يكن مشروع الأسمرات «تحيا مصر» الذى افتتحه الرئيس مؤخرًا سوى نموذج مصغر لمشروع قومى كبير، يوفر مساكن آدمية لنحو 22 مليون مواطن يعيشون فى مناطق عشوائية بمصر، ووفر مشروع «الأسمرات 3» 7440 وحدة سكنية، لسكان المناطق العشوائية مجهزة بالكامل، مفروشة بالأثاث المنزلى والأجهزة الكهربائية، مجانًا بدون مقابل، وتسلم الوحدات للمستحقين بنظام الإيجار التمليكى بإيجار رمزى 350 جنيهًا شهريًا.

 

ويعد هذا المشروع الكائن بالمقطم، أكبر المشاريع التى تم افتتاحها ويضم 7440 وحدة سكنية فى 124 عمارة، بها أسانسير، وتتكون من أرضى و9 أدوار متكررة، وتحتوى كل عمارة على 60 وحدة، و176 محلًا تجاريًا متنوع الاستخدام.

 

كما يضم مشروع الأسمرات بنسخته الثالثة، 4 ملاعب متعددة الأغراض وملعب كرة قدم، وحمامى سباحة، ومبنى اجتماعى، وحديقة أطفال، و4 حضانات على مساحة 460 مترًا لكل حضانة، و4 وحدات صحية بالمساحة نفسها، وساحة انتظار سيارات تسع ألف سيارة، علاوة على إنشاء مسجد وكنيسة ومخبز آلى، حيث إن المشروع مصمم ليكون به جميع الخدمات اللازمة، لخدمة أهالى المنطقة.

 

إعادة تأهيل

 

وقال الدكتور رجب مجاهد المشرف على مدينة «تحيا مصر» بالأسمرات، إنه لأول مرة فى مصر يتم تطوير العشوائيات، بطريقة تحمل أبعادًا مختلفة وليست مجرد عمارات سكنية فقط، لكن يراعى فيها البعد الاجتماعى والبعد النفسى وكذلك البعد الثقافى.

 

وأضاف أن المشروعات التى تمت خلال الأربع سنوات الماضية، يتم خلالها إعادة تأهيل الناس، عبر تقديم خدمات غير مسبوقة، مثل مراكز التدريب والمراكز الثقافية والحضارية والملاعب والأندية الاجتماعية، وهو ما يعنى أن المواطن لا يترك عقب نقله إلى هذه المساكن، لكنه يظل تحت رعاية الدولة حتى بعد الانتقال إلى مكان سكنه الجديد.

 

وبالنسبة لفلسفة الدولة والحكومة لتطوير العشوائيات أكد مجاهد أنه يمكن تلخيص الفلسفة فى كلمات بسيطة للغاية، وهى أن المواطن المصرى يستحق كل رعاية من الدولة وخصوصًا الأهالى التى تسكن فى المناطق العشوائية والذين همشوا لفترات زمنية طويلة.

 

وشدد على أن القيادة السياسية فى الوقت الراهن ترى أن هذا المواطن له كل الحق على الدولة فى السكن المناسب والحياة الكريمة، مشيرًا إلى أن الوحدات السكنية فى مدينة الأسمرات تسلم مفروشة بالكامل نظرًا للظروف المالية الصعبة للأهالى، والقيادة السياسية اتخذت هذا القرار لعلمها التام أن هؤلاء يستحقون كل الرعاية بعد الفترات الطويلة التى عانوا فيها.

 

وأعرب عن أمله فى أن تنتهى مشكلة العشوائيات تمامًا من مصر حتى 2030، وذلك فى ظل الجهود الجبارة التى تبذلها أجهزة الدولة فى هذا الملف، موضحًا أن الدولة تقوم خلال الفترة المقبلة لحل مشكلة البنايات التى تمثل خطورة داهمة على حياة المواطنين.

 

المدن الجديدة

 

من المعروف أن مشروعات تطوير العشوائيات تأتى فى إطار سياسة الأمر الواقع، أو ترميم الثغرة التى حدثت على مدى عشرات السنين، لكنها ليست الحل السحرى أو النهائى لمشكلة الإسكان والزحام والتلوث فى مصر، لذلك قامت الدولة بالتزامن مع هذا المشروع فى إقامة العديد من مشروعات بناء المدن الجديدة، وعلى رأسها العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها من المدن فى جميع محافظات الجمهورية.

 

ووفقًا لما أعلنته وزارة الإسكان، فإن المدن الجديدة هى العاصمة الإدارية الجديدة وتجمع جنوب القاهرة الجديدة فى محافظة القاهرة، و6 أكتوبر الجديدة وحدائق أكتوبر وامتداد الشيخ زايد وسفنكس الجديدة والوراق الجديدة فى محافظة الجيزة، والعبور الجديدة فى محافظة القليوبية، والعلمين الجديدة فى محافظة مطروح، والمنصورة الجديدة فى محافظة الدقهلية، وامتداد النوبارية الجديدة فى محافظة البحيرة، وشرق بورسعيد «سلام» وغرب بورسعيد فى محافظة بورسعيد، وبئر العبد الجديدة فى محافظة شمال سيناء، والفشن الجديدة فى محافظة بنى سويف، وملوى الجديدة فى محافظة المنيا، وغرب أسيوط فى محافظة أسيوط، وغرب قنا فى محافظة قنا، والأقصر الجديدة فى محافظة الأقصر، وتوشكى فى محافظة أسوان.

 

تتولى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التابعة لوزارة الإسكان المصرية إنشاء تلك المدن، والتى من المقرر إنشاؤها على مساحة 580 ألف فدان، لتستوعب 30 مليون نسمة، وتوفر ملايين من فرص العمل، ويأتى إنشاؤها ضمن ما يعرف بـ«مدن الجيل الرابع»، التى تراعى توفير حياة أفضل للمواطن، من خلال فرص سكن واستثمار وعمل، وتعمل على مواجهة النمو العقارى غير المخطط أو العشوائى.