الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

محنة النص!

أشعلت قضية نصر حامد أبوزيد جدلًا كبيرًا لسنوات.. وبمجرد ذكر اسمه تنقسم الآراء بين مؤيد ومعارض.. رجال دين يصفونه بالزنديق ومثقفون يعتبرونه استكمالًا لمشروع التنوير.. وتحول المشروع الفكرى المهم إلى حلبة مصارعة.. وموضوع  لمناظرات يخرج منها الأكثر قدرة على الحديث وتكييل الاتهامات منتصرًا. 



 

وبعد عشر سنوات على رحيل «أبوزيد».. علينا الاعتراف أن أفكاره لم تحظ بالقدر الذى تستحقه من القراءة والبحث.. إذ انشغلت المؤسسة الدينية لعقود طويلة بالهجوم على كل من تسول له نفسه نفض الغبار عن كتب التراث؛ وكأن الدفاع عن الدين هو تحويل كل ما هو «مُقدس» إلى «مُحنط» لا يمكن المساس به.. وعلى الجانب الآخر انشغل المثقفون بالرد على تلك الاتهامات، من دون استكمال الرحلة الفكرية والبحثية.

 

تكشف الاتهامات الموجَّهة لـ«أبوزيد» عن ضحالة كبيرة فى رؤية وثقافة مروجيها.. إذ يركز عبدالصبور شاهين، أستاذ الدراسات الإسلامية، على أن «أبو زيد» تعامل مع القرآن الكريم كـ «نَص أدبى»  ونفى عنه قدسيته، وطالَب بالتحرُّر من سُلطَة القرآن وتحرير الثقافة العربية منه.. فى حين أن الهدف الأساسى لأفكاره كان دراسة القرآن بمقتضيات بيئته وعصره لا تحريره من الثقافة العربية.

 

ومرة أخرى نجد «شاهين» يناقض نفسه فيقول: «أبوزيد ادعى أن القرآن ليس وحيًا من الله.. وأنكَر سابقة وجودِه فى اللَّوح المحفوظ، وزعَم أنَّه منتج ثقافى بيئى مأخوذٌ من ثقافة البيئة العربية التى نزل فيها».. ولكن كيف يدعو نفس الشخص لتحرير الثقافة العربية من سلطة القرآن ويؤكد أنه ينتمى لتلك الثقافة فى الوقت نفسه؟! 

 

واصل «شاهين» هجومه على «أبوزيد» فوصفه بأنه «رجل يحمل فى نفسه شحنة كبيرة من كراهية الإسلام وعلمائه.. بسبب وجود فجوة بين فكره وكل ما هو قرآنى.. أباحت له أن يَعبَث بالإسلام كدين وبمحمد كرسول، وبالمسلمين كمهتدين.. عبثًا يقصر عن تصوره خيال المسلم؛ لأنه عبث بلا حدود.. وتطاوُل بغير قيود.. حتى أصبح رجلًا لا يعرف التواضع فى الحوار.. ويجعل من نفسه ندًا لمن يحاوره من علماء الأمة.. وإذا وجدت من يدافع عنه.. فاعلم أنه من المنافقين الذين لعنهم الله فى كتابه».

 

فى السياق نفسه، قال مصطفى الشكعة، العميد الأسبق لكلية آداب جامعة عين شمس: «إن أشد الناس عداوة للإسلام لم يتجاسَر على النيل من الإسلام بقدْر ما نال منه أبو زيد، لأنه يحمل على الشريعة والتراث حملة شديدة فيما يشبه هذيان المحموم، وكان يعارض تطبيق أحكام الإسلام، وينعى على الأحزاب السياسية كلها فى مصر تبنى مَطلَب تطبيق الشريعة الإسلامية».

 

لم يغب الشيخ محمد الغزالى هو الآخر عن ذلك المشهد، ووصف أبوزيد بأنه  «كويفر مخمور مغرور.. يتعثر فى بديهيات التاريخ.. ثم يناطِح الجبال الشم.. ولقد أزعجنى جرأة الجهال على الإسلام، ثم نجاتهم من عقبى التطاول، وكنت أعرف أن هناك حملَة أقلام لا إيمان لهم، لكنى لَم أكن أعرف أنهم يكرهون الله ورسوله على هذا النحو».

 

تشكل هذه الاتهامات جزءً ضئيلًا مما لاقاه «أبوزيد» ومشروعه الفكرى، فهى بمثابة انعكاس للمجتمع وأفكاره.. حيث تزامن صدور كتاب «مفهوم النص.. دراسة فى علوم القرآن» مع ما يسمى بـ«الصحوة الإسلامية» التى اتسمت بنزعة أصولية تزعم احتكارها الحقيقة المطلقة والقول الفصل فى كل ما يتعلق بالدين والمجتمع.

 

ونجد ذلك واضحًا فى كل الاتهامات باختلاف أصحابها، أساتذة الجامعات ورجال الدين على السواء، وتلك الظروف الثقافية التى عانى منها المجتمع ولايزال، شكلت عائقًا صعبًا أمام «أبوزيد»، لكنه مضى فى طريقه يستكمل الطريق الذى توقف أو تم تجميده على الأصح منذ القرن الثالث الهجرى،وحرص على ألا يتضمن طرحه أى تعارض ألوهية النص وواقعية محتواه وانتمائه إلى أفق الفهم البشرى.

 



 

القراءة العاقلة لأفكار «أبوزيد» تؤكد أنه يتكلم من أرضية إيمانية بقدسية النص، ويحاول فهمه فى سياق بيئته ومجتمعه، لا أن ينفى مصدره الإلهى.

 

عنما طرح المفسرون الأوائل رؤيتهم عن البنية التركيبية للخطاب القرآنى بما يناسب مقتضيات عصرهم، لم يهدفوا لخلق سردية موازية للنص ذاته لنتبع نحن نظرتهم فى تجاهل تام لظروف العصر.. لأنه من المنطقى أن فهمهم للقرآن لا يرفع عنا نحن فريضة الفهم لرسالة الله. 

 

تلك الرؤية هى التى أسس عليها «أبوزيد» مشروعه الفكرى،وهدف للوصول إلى صيغة تصل التراث الدينى،بالواقع الذى نعيش فيه، من دون أن يطغى أى منهما على الآخر وأكد أن «الانقطاع عن الماضى يعادل الإقامة فيه، وبالتالى لا بد أن نبحث عن آلية لقراءة الماضى بما يجعله مستمرًا فى الحاضر وحافزًا على الإصلاح والتمدن».

 



 

لم يهدف أستاذ الدراسات الإسلامية فى أى من مؤلفاته على الإطلاق لتنحية الماضى جانبًا أو السطو عليه، بل خاض معركته ضد كل من يدعى احتكار اليقين الدينى، ليثبت أن النص الدينى «ثابت فى منطوقه لكنه متحرك فى دلالاته» ويحرر القرآن من احتكار الأيديولوجيات المختلفة التى تستخدمه لحماية مصالحها معتبرًا أن «البحث عن مفهوم النص ليس فى حقيقته إلا بحثًا عن ماهية القرآن وطبيعته بوصفه نصًا لغويًا».

 

شكلت صاحب «نقد الخطاب الدينى» تهديدًا كبيرًا لرجال الدين والمؤسسة الدينية كلها، لأن أفكاره أكدت أن عملهم لا يقتصر على مجرد الوقوف  لـ«حماية الدين من الضياع والحفاظ عليه من التشتت» ويفرض عليهم الاستجابة الحضارية وإعادة دراسة التراث بمقتضيات العصر ووسائله.

 

استهدف «أبوزيد» من دراسة النص المقدس أن يستخلص المقاصد الكلية للشريعة وأهداف الوحى،من دون جمود وتحجُّر يضر الدين ولا ينفعه قيقول: «إذا كان الحل السلفى فى حقيقته وجوهره يتنكر دون أن يدرى لمقاصد الوحى وأهداف الشريعة حين يفصل بين النص والواقع.. حين يطالب بتطبيق نص مطلق على واقع مطلق.. فإن مفهوم النص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم ويكشف القناع عن حقيقة هذا الوجه الرجعى وامتداته فى التراث».

 



 

وبالمنطق نفسه الذى فكك به «أبو زيد» الأفكار الرجعية فى الدفاع عن الدين؛ وجه الكثير من الملاحظات لأصحاب تيار التجديد قائلًا «إن مطلب التجديد على وجاهته وأهميته إذا لم يستند إلى فهم علمى للأصول الموضوعية التى قام التراث على أساسها.. كفيل بأن يؤدى إلى تكريس أشد عناصر التراث تخلفًا.. إلى جانب أنه يساند دون وعى أشد القوى سيطرة ورجعية فى الواقع الراهن».

 

بين من يتغنى بتراث لم يفهم أبسط مكوناته ومفاهيمه.. ومن يريد أن يتجاهل ذلك التراث بالكامل.. لم يفهم أى منهم حقيقة ما أراده «أبوزيد» من إنتاج وعى علمى حقيقى بالتراث وتطوره إلى أن وصل إلينا بما يؤهلنا لأن نكتب سرديتنا الخاصة، ويحقق التوازن بين الموروث والحاضر.

 

يمكننا القول أن محنة نصر حامد أبو زيد هى محنة الثقافة العربية بكل عناصرها وباختلاف اتجاهاتها الفكرية.