الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

يوميات طبيب فى زمن الكوليرا

بالصور والتفاصيل اليومية، ننشر وقائع خمسة أيام فى «نار الكوليرا»، رواها طبيب مصرى أوفدته وزارة الصحة فى عام الكوليرا 1947، لمتابعة حالات الوباء فى بعض القرى المصرية. الصور شاركها طبيب شاب كان قد أُرسل إلى المناطق التى تنتشر فيها الكوليرا، وكونه فى صميم المعركة ضد الوباء، وجد نفسه محاطًا بمهمة إعلامية وصحافية إضافة إلى عمله الأساسى،كتب يوميات فيما يشبه المذكرات والتقط صورًا، ضمنها فى دفتر أسماه «معمودية النار»، ونشرتها مجلة إيماج، مجلة مصرية باللغة الفرنسية كانت تصدر عن دار الهلال، تحت عنوان «المنطقة الموبوءة» فى عدد 1947.



 

 

اليوم الأول: نوبة وسط أعين مجوّفة

 

الأحد، القطار انطلق، ساعة تقريبًا، سنصل قريبًا إلى محطة بلبيس، يُقال أن بلبيس سقطت فى الكوليرا، إنها تجربة عظيمة بالنسبة لى، معمودية النار! ويا لها من معمودية! أنا فى المحجر ووباء الكوليرا! تطاردنى الكوابيس، انتشرت الجثث، وغرق الناس فى الشوارع، أفكر فى كتاب «سان ميشيل»، فى أوصافه المرعبة.

 

هل أجرؤ على الاعتراف بذلك؟ أنا خائف، لكن هناك مشاعر أخرى تعيش فى داخلى: التفانى،النضال، النصر،.. ربما كل هذا مثير للسخرية، ها أنا أخيرًا، وللوهلة الأولى، أواجه الحقيقة القاسية لمهنتى،عدوّى هو الموت، بشع مثل «الموت الأحمر» لإدجار ألن بو، بداية القتال تنتظرنا مساء الأحد، حرب غير متكافئة، نحن نفتقر للإمدادات وسيارات الإسعاف واللقاحات، كل هذا سيأتى لاحقًا، فى الوقت الحالى،الأفق مظلم، لكن لنبدأ من البداية.

 

اضطررت إلى عبور بلدة بلبيس للوصول إلى المستشفى، يسود الهدوء، يمتلك المزارعون مضخة حيث يمكنهم شرب مياه صحيّة، كل شيء منظم تدريجيًا، لكن وضع إقامتى غير مستقر للغاية، لا فندق ولا مطاعم، لا أثق فى الطعام المحلى، المستشفى على بعد ساعتين من المدينة، وهى المسرح الحقيقى للمأساة، علمت أننا استقبلنا 60 حالة مشتبه بها، قادمة بالكامل تقريبًا من القرى المجاورة، تم إدخالها إلى المستشفى فى غضون ثلاثة أيام، بعضهم، على الرغم من الأعراض المقلقة، اتضح أنهم يعانون من أى شيء آخر غير الكوليرا، وهؤلاء يتم إعادتهم إلى منازلهم، المرضى فى الغرف الكبيرة، وبما أن عدد الأسرّة غير كافٍ، فقد أضيفت مراتب على الأرض، سرب من الممرضات والأطباء مشغولون حولهم، مما يوفر لهم رعاية مستمرة، الجلوكوز، الكورامين، البتيوترين.

 

مرضى الكوليرا وحيدون، بعيون مجوّفة، من يعتقد أن التأثير البسيط للجفاف يمكن أن يحوّل الرجل السليم إلى هيكل عظمى فى غضون ساعات قليلة؟ أحاول التعوّد على المشهد، الفوضى، مريض مات للتو، آباء وأبناء جاءوا لسحب موتاهم، توابيت خشبية بيضاء.

 

مسائى حزين، فى الغرفة متعددة الأسرّة حيث نوبة عملى، يطير الذباب، يتألّف عشائى من علبة من السردين ورغيف خبز، يتم تسخينه على مصباح كحول أحضرته بالصدفة، أفكر فى المرضى والأموات، والكميات المتوقعة من الأمصال واللقاحات الجماعية، وموعد وصولها المرتقب، أقرب وقت سيكون الأفضل.

 

اليوم الثانى: حصانة لأيام قليلة

 

الاثنين، وداعا بلبيس، تأخذنى سيارة إلى مستشفى الزامل، ومن هناك أتوجه إلى القرية التى تحمل الاسم نفسه، مهمتى هى الكشف عن الحالات المشتبه فيها وعزلها، بالإضافة إلى ذلك، يجب أن أراقب أعمال التطهير والتنظيف، سهلة وليست مهمة فنية على الإطلاق، أتوقف عن أن أصبح طبيبًا لأحوّل نفسى إلى رئيس عمّال.

 

القرية لم يصبها أذى نسبيًا ولم نكتشف حالات صعبة، أدخل أحد منازل المشتبه فى إصابتهم، متأثرًا جدًا، ولكن بتشجيع من خمسين زوجًا من العيون التى تتبّع كل حركاتنا، بشكل منهجى ، يتم تحييد تركيز العدوى، فى فترة ما بعد الظهر، لدىّ فرصة الحصول على التطعيم، أطلب جرعة مضاعفة، على الرغم من أن رد الفعل يمكن أن يكون عنيفًا، لن ينجح مفعول الحصانة إلا لأيام قليلة، لكننى أشعر بالاطمئنان أكثر.

 

اليوم الثالث: لا وقت لتغيير الحقنة

 

 

الثلاثاء، اللقاحات هنا أخيرًا، ولكن بكمية مخفضة، نحن نقوم بالتطعيم بالتناوب، كبار السن، الشباب، النساء، الأطفال، الفلاحون لديهم إيمان راسخ فى «الحُقنة»، بدون معرفة بالضبط ما تمثله.

 

هل أعترف أننى لا أغيّر الحقنة فى كل مرة؟ ولكن ماذا تفعل عندما تمتدّ عشرة أذرع فى وجهك فى وقت واحد، الجميع فى انتظار «شَكّة»، هنا امرأة تعانى من أعراض مشتبه فيها، الفحص بعد التقيؤ أثبت ذلك، أما هذه المرأة فحامل فى أشهرها الأولى، ارسلها بعيدا، نحن ننتقل من قرية إلى أخرى على عربة متهالكة، إنها سريعة جدًا، لكن الهزّات الناجمة عن حركتها رهيبة لوظائف الكلى!

 

اليوم الرابع: كتل بشرية مذعورة لا تسمع

 

الأربعاء، تلقينا ما يكفى لتطعيم 6000 شخص، وأنا أرسلت إلى قرية منيار، ليست بعيدة عن أبى زعبل، أقمت مع أدواتى فى كشك الهاتف وأصبحت استلم الحالات واحدة تلو الأخرى، ولكن الفوضى لا توصف، أخشى أن أرى الرجال أو النساء يسقطون وهم يختنقون، أحاول أن أشرح للفلاحين، أن لدينا ما يكفى الجميع، فقط هدوء وتنظيم، لا أحد ينصت، أنا أتعامل مع كتلة بشرية مذعورة مسكونة بالخوف، أستقبل الجميع، وتمر الوجوه أمامى كظلال من كوابيس: عمالقة وأقزام وكائنات مشوّهة وعميان وصم، ووجهاء، نساء يرتدين الجلابيب الجميلة، أذرع وعضلات ممتدة وجلود بشرية فى انتظار أن تثقب.

 

فى الساعة الخامسة بعد الظهر، لا تزال الجماهير الغفيرة فى الانتظار، لا أستطيع أن أرى بعد الآن، أتوقف، متظاهرًا بعدم وجود لقاح آخر، فى غرفتى فى المستشفى، أشحذ القوة فقط لخلع ثيابى والسقوط مثل كتلة على سريرى.

 

 

اليوم الخامس: ربيع ضائع فى الكوليرا

 

إنه الخميس، أقف للحظات بعد الظهر لفحص حالة، سائق كان يعمل هذا الصباح، الآن يموت، هو فى غيبوبة، لا تقيؤ ولا إسهال، إنها الكوليرا على أى حال، ألمسه: درجة حرارة أقل من المعتاد، لن يسعفنا الوقت حتى لعزلها، وسرعان ما سندفنه وسيتم تطهير منزله، أعود إلى المستشفى مرهقًا، لا أجرؤ على إظهار ذلك، هذا الهجوم كالبرق، هذه الحالات لا تسامح، فى الصالة الكبرى، أجد الوجوه القلقة والعيون المجوّفة والخدود الهزيلة.

 

المعركة الآن منظمة بشكل جيد، فى المتوسط​​، من أصل 10 حالات كوليرا، يتعافى ستة مرضى، وسنقوم بتحسين هذه النسبة أكثر عندما يكون لدينا نقل أسرع، عندما يكون من الممكن نقل المريض إلى المستشفى فى أول أعراض المرض، تمت تجربة البنسلين دون جدوى، ولكن كل يوم يمر يمنحنا المزيد من الخبرة والثقة، لا يزال الجو مؤلمًا، أفكر باستمرار فى الأفكار المرضية المعدية التى تهاجمنى بشكل متواصل، لكن ما إن يصل رفاقى أنسى كل شيء، إنهم قوة الحياة، شباب ينسون شبابهم، حادثة تروى بطريقة مضحكة، نكتة تنطلق فى الوقت المناسب، وسرعان ما ينفجر الضحك فى «فوضى» الدنيا، من السهل أن تنسى! هذا أفضل بكثير، لأنه بخلاف ذلك سوف ينكسر ربيعنا، ونحن بحاجة إلى كل طاقاتنا، غدا سيستأنف القتال.>