السبت 15 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

فقه الدولة الجذور المصرية لمبادئ «الدولة المدنية»

تسعى الدراسة التالية لإثبات «الطبيعة المدنية» الأصيلة للدولة المصرية، عبر تاريخها الدستورى (الممتد).. وهو ما يعبر - بدوره - عن حالة راسخة تميز الدولة المصرية (متعمقة الجذور)، لا استدعاء لتوصيفات قانونية أو دستورية حديثة أو طارئة.



 

ورغم أن الدراسة - من حيث الأصل - أكاديمية تمامًا؛ إذ تمت إجازتها للحصول على درجة الماجستير فى القانون.. فإن تقاطعها (المتشعب) مع السياسة التحريرية لمجلة «روزاليوسف»، دفعنا - بعد استئذان الباحث - أن نطرحها من منطلق التحفيز على التفكير ومناقشة الأفكار، بعد وضعها فى قالب صحفى مناسب.. وهو ما سمح لنا به الباحث.

 

فبصورة إجمالية.. ترد الدراسة على مزاعم الدولة الدينية وادعاءات المروجين للدولة المدنية باعتبارها كيانًا معارضًا للدين، بل تثبت الدراسة أن الدولة المدنية ليست ضد الدين.. لكنها ضد استخدام الدين واستغلاله كأداة للاستبداد والقمع والمصادرة على الحريات.. سواء تم هذا الأمر باسم التعاليم السماوية أو باسم الله ذاته!

 

وتقدم الدراسة، عبر مبادئ الشريعة الإسلامية وثوابتها أنه يمكن وضعها ضمن إطار قانونى ودستورى قابل للتجدد مستهدفًا مقاصد الشريعة؛ لإقرار الحق والعدل والمساواة وتحقيق المصالح ودرء المفاسد.. إلى جانب بقية الضرورات الخمس.

 

روزاليوسف

 

الدولة المدنية هى: الدولة الديمقراطية الدستورية التى تستهدف الحفاظ على جميع أفراد المجتمع من دون أى تمييز على أساس القومية أو الدين أو الجنس أو الفكر، فهى تضمن حقوق وحريات جميع المواطنين باعتبارها «دولة مواطنة» يتمتع فيها المواطنون بحقوق وواجبات يؤدونها، وهى دولة تضمن التعددية وتصون كرامة المواطن وقناعاته ومعتقداته وأفكاره بالشكل الذى يؤمن به فى إطار الدستور الذى أقره الشعب.

 

كما تربط الدولة المدنية اجتماعيًا بين الناس قانونيًا ودستوريًا وعقائديًا بما يتيح إدارة التعايش والاختلاف ويمنع الصدام والفوضى.. أى أن وظيفة الدولة هى إدارة التعدد وحماية عقائد مواطنيها والإشراف على ما يترتب على تلك العقائد من سلوك جماعى.

 

فالدولة المدنية - إذًا - هى منظومة متكاملة للحياة الحديثة يتساوى فيها المواطنون وتصون حق الاختلاف والتمايز، وهى دولة وطنية تقوم على التعددية الحزبية والتنوع الفكرى والثقافى ولا تترك إدارة الدولة للخلافات الفقهية والتأويلية.

 



 

تتمثل ركائز الدولة المدنية فى عدد من المقومات على النحو التالى:

 

1  المواطنة

 

يقصد بالمواطنة العضوية الكاملة والمتساوية فى المجتمع، بما يرسخ الانتماء ويصون حق المواطن فى التمتع بحقوقه كاملة بالتساوى مع بقية المواطنين، والالتزام بواجباته تجاه الدولة والمشاركة فى الحكم والخضوع للقوانين المنظمة.

 

وتكون حقوق المواطنة فى الدول الديمقراطية مكفولة بالقانون والدستور وتتمثل فى (الحياة الكريمة - احترام الخصوصية - توفير الأمن - حق التملك - الحق فى الضمان الاجتماعى والصحى - رعاية الطفل والمرأة - توفير فرصة عمل - المساواة أمام القانون - حق التعبير عن الرأى بكل الوسائل - حق التظاهر السلمى - حرية التنقل والسفر - حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية).

 

كما تتمثل واجبات المواطنة فيما يلى: الالتزام بالقوانين التى تشرعها الدولة من خلال الجهة التشريعية - دفع الضرائب - الخدمة فى القوات المسلحة - الحفاظ على الممتلكات العامة. إذًا.. فالمواطنة أداء وعطاء من أجل وطن تتضافر فيه الجهود.

 

2 الديمقراطية

 

يقصد بالديمقراطية كأحد أهم ركائز الدولة المدنية الحديثة: التداول السلمى للسلطة من خلال انتخابات حرة مباشرة يختار الشعب فيها من يمثله، وهى حكم الأغلبية المقترن بحقوق الفرد والأقليات الممثلين من خلال السلطة التشريعية للدولة. وتضمن الديمقراطية ممارسة الحكومة سلطاتها ومسئولياتها المدنية بواسطة الشعب الذى يفوض مجموعة منه كممثلين عنه، كما تضمن حماية حقوق الفرد فى حرية الاختيار وحرية التعبير وحرية المعتقد وإتاحة الفرصة للتنظيم والمشاركة فى الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع.. وهو ما يمكننا مناقشته اعتمادًا على المحاور التالية:

 

خصائص الديمقراطية:

 

كما تعرف الديمقراطية بكونها نظامًا سياسيًا يكون فيه الشعب مصدرا للسيادة والسلطة، فإنه وفقًا لذلك المفهوم يتميز النظام الديمقراطى بالخصائص التالية:

 

- ينتخب الشعب ممثله عن طريق انتخابات عامة.

 

- تمارس الأغلبية المنتخبة الحكم، وهذه الأغلبية الصادرة عن فئات الشعب المختلفة سياسية وليست عرقية أو إثنية أو دينية.

 

- تصان حقوق المعارضة.

 

- تصان الحريات العامة للمجتمع ومنها حرية التعبير وحرية العقيدة وحرية الاجتماع وحرية الصحافة.

 

- وجود دولة القانون التى تضمن حقوق الموانين والمساواة بينهم.

 

- إرساء دولة المؤسسات فى مواجهة سلطة الحاكم ووضع آليات للدفاع عن المواطن.

 

- ضمان الفصل بين السلطات.

 

- ترسيخ مبدأ الشرعية الدستورية واستقلال القضاء.

 

3 الديمقراطية والدين

 

 

إن مفهوم الديمقراطية الحديثة الذى يستهدف الحرية والعدل والمساواة والعدالة الاجتماعية لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يصطدم مع المبادئ الرئيسية والقيم الحقيقية التى تستهدفها الشريعة الإسلامية التى جاءت لإصلاح حياة البشر من خلال وضع قواعد محددة لتحقيق العدل والمساواة، بل تجاوزت ذلك إلى حفظ حقوق التعدد والاختلاف.

 

إذًا.. الإشكالية هنا تكمن فى محاولات استخدام الدين من خلال نماذج مختلفة لحكم دينى تفرض وصاية على الشعوب عبر أشخاص يقدمون الدين باعتباره حقائق مطلقة غير قابلة للتأويل، ولكن فى الواقع كل شرح للدين يعكس عقلية وثقافة شارحه واهتماماته، وكذلك ثقافة عصره التى يحاول فرضها على المواطنين دون نقاش أو جدال.

 

هذا الحكم الدينى المستند لفهم بشرى لمبادئ الدين يرتكز على عقلية عقائدية مطلقة شمولية لا تقبل التعددية ولا تداول السلطة، وتكرس لفكر إنسانى يسخر الدين لغايات سياسية.

 

لقد أثبتت كل التجارب أن «الحكم الدينى» بسبب جموده العقائدى لا يصلح لتسيير أمور الدولة، بل يؤدى إلى شرذمة الدين الواحد إلى مذاهب متعددة وشيع وأحزاب دينية تصل إلى مرحلة الصراع الذى تدعى فيه كل فرقة ملكية الحقيقة الإلهية.

 

4     الديمقراطية كمنهج فى التفكير

 

لقد أصبحت الديمقراطية تشكل مطلبًا أساسيًا فى الربع الأخير من القرن العشرين.. ليست فقط كأسلوب فى الحكم، بل كمنهج فى التفكير والتعامل على مختلف الأصعدة وفى كل المؤسسات، وكونها أصبحت مطلبًا أساسيًا لا يعنى أنها تحولت إلى قاعدة متبعة.. ولكنها تؤشر - على الأقل - إلى احتمالات قيام منهج جديد فى التفكير والمسلكية، كما أصبحت الديمقراطية هدفًا أساسيًا ومسارًا وبرنامجًا لدى الكثير من الحركات الفكرية والسياسية، كما اعتمدت كأساس لبناء المجتمع المدنى الضرورى لحدوث نهضة حقيقية، ودفعت السلطات إلى أن تجد نفسها مضطرة إلى التجاوب مع مطالب الديمقراطية والعمل بها.

 

لقد بدأ مفهوم الديمقراطية فى تكريس مفرداته لدى الوعى العربى من خلال أدبيات تمثلت فى سيادة القانون والتعددية وتداول السلطة والتمثيل النيابى السليم عن طريق الانتخابات الحرة وحق الشعب فى المشاركة السياسية وفى إنشاء مؤسساته ومنظماته وأحزابه ومحاسبة السلطة واحترام حقوق الإنسان من دون تمييز على أساس العرق أو اللغة أو الدين أو الجنس، واحترام تنوع الثقافات وحرية الرأى وتحرر المرأة ومشاركتها فى العملية الإنتاجية.

 

5 الرؤية الدينية الأصولية

 

إن أزمة الحركات الإسلامية تتمثل أساسًا فى محاولة فرض نموذج مستعار من الماضى السحيق على الواقع المعاصر (المغاير) فى بنيته وأوضاعه ومتطلباته ومصادر مشكلاته، وفى هذا الإطار نركز على عدد من توظيفات الدين فى الصراع السياسى على النحو التالى:

 

أ - استخدام الدين أداة سيطرة:

 

يشهد العصر الحاضر بعض الأنظمة السياسية والطبقات الحاكمة التى تكونت من استخدام الدين والإسلام تحديدًا، كأداة فعالة فى تثبيت شرعيتها وسيطرتها، فقد أقامت بعض العائلات الحاكمة شرعيتها على الانتساب إلى النبى عليه الصلاة والسلام، وتأسست فى عدد من البلدان العربية أسر حاكمة على أساس تحالف قبلى - دينى أو على فرض الوصاية على المؤسسات الدينية والاستعانة بعلماء الدين الذين يبررون سياستها، أو بث تلك الثقافة الدينية التى تدعو إلى إطاعة أولى الأمر ونصرة السلطان وترك السياسة لأصحابها.

 

وهنا يمكننا القول: إن السلطة هى التى تمكنت من الاستفادة من الدين فى التاريخ العربى الإسلامى، على الأقل منذ حكم معاوية.. فوظيفته أداة فى خدمتها وليس بالضرورة فى خدمة الأمة أو فى سبيل العبادة.

 

وهنا تظهر بوضوح نتائج هيمنة الدولة والسلطة الدينية التابعة لها التى أدت إلى انقسام واضح فى المجتمع بين ما هو عام وما هو خاص فى الظاهر والحياة العامة، إذ يتقيد الناس بشعائر الدين وليس تقيدهم فى غالب الأحيان نتيجة قناعات داخلية.. وإنما بسبب وسائل الضغط القسرى، أما فى الحياة الخاصة كما فى المنازل أو خارج البلاد فيتضاءل التقيد بالشعائر ويتكاثر الإقبال على مقتنيات الحداثة وممارساتها.

 

إن دعوات الدولة الدينية تعمد إلى إفقاد القيم والشرائع الدينية نسبيتها وتفصلها عن سياقها التاريخى والاجتماعى وتحولها إلى مفاهيم أزلية مطلقة سرعان ما تصبح دعوة للانغلاق والتكفير وعدم التسامح خاصة فى الأزمات السياسية.

 

ب - استخدام الدين أداة تحريض:

 

تجدر الإشارة إلى أنه كذلك يمكن استخدام الدين فى التحريض وإثارة السخط من قبل القوى المعارضة التى تجاهد للوصول إلى الحكم أو التى تدعو إلى الإصلاح، وخاصة فى أزمة انحلال المجتمع وفقدان الإرادة الوطنية تجاه القوى الخارجية وغياب الحريات المدنية.

 

ومما يجب أن نلفت النظر إليه أن استعمال الدين أداة للتحريض لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعى والسياسى، حيث تزدهر الحركات والجماعات الدينية مع انكشاف ضعف أو فشل الطبقات الحاكمة، ولا يقتصر التحريض على العداء ضد الأنظمة والسلطات السياسية القائمة، بل يشمل أيضا تكفير أى تفسير دينى مخالف لتفسيرات الحركات والجماعات الدينية وإثارة القضايا الفرعية وتحويل النظر عن القضايا الرئيسية.

 

كما تحاول تلك الجماعات الترويج لمفاهيم الديمقراطية والتعددية والقومية والاشتراكية والمجتمع المدنى باعتبارها مفاهيم مستوردة وغريبة فى محاولة لاستعادة الماضى وبعثه من جديد منفصلاً عن سياقه الاجتماعى ومن خلال تعطيل الطاقات الإبداعية.

 

ج- استخدام الدين أداة مصالحة مع الواقع الأليم:

 

فى ظل الأوضاع المعيشية البائسة تلجأ الطبقات الشعبية المسحوقة إلى الدين، لتستمد منه العزاء والقدرة على التحمل والقناعة والرضا والتقليل من أهمية هذه الحياة، مما يؤدى بها إلى الاستكانة والمصالحة مع واقعها التعس.

 

6 سيادة القانون

 

سيادة القانون تعنى أن القاعدة القانونية تأتى فوق إرادات الأفراد جميعا (حاكمين أو محكومين) وتلزمهم جميعا باتباع أحكامها، فإن لم يلتزموا بالقاعدة القانونية انقلب تصرفهم المخالف للقانون إلى تصرف غير قانونى وغير مشروع، وإذا خرج الحكام على القانون تحولت الدولة من أن تكون دولة قانونية إلى أن تكون دولة فعلية غير قانونية.

 

كانت السلطة فى الماضى تختلط بأشخاص الحكام، بحيث إن إرادة الحكام كانت هى الفيصل أو هى القانون، وبعد تطور طويل فى سبيل تأكيد حرية الشعوب، وبعد أن استقر مبدأ أن الشعب هو صاحب السلطة ومصدرها الأصيل وأن الحكام يمارسون السلطة باسمه ويستمدونها منه، ليظهر مبدأ الفصل بين شخصية الدولة وشخصية الحاكم ويصبح الحاكم ممثل الدولة فى النطاق الذى يحدده الدستور والقانون، لم يعد الحاكم فوق القانون وإنما أصبح القانون فوق الإرادات جميعًا، أصبح القانون هو الذى يحكم جميع الإرادات ويحدد لها أدوارها والنطاق الذى تعمل فيه بحيث إذا تجاوزت الإرادة ذلك النطاق لم تستطع أن تحدث أثرًا قانونيًا يعتد به واعتبر عملها نوعًا من اغتصاب السلطة أو تجاوزها.

 

إن سيادة القانون تعنى أن إرادات الأفراد مهما علوا فى مدارج السلطة هى إرادات محكومة بالقانون، وهنا تجدر الإشارة إلى أن دستور 1971 الذى نص فى المادة (64) «سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة»، كما نص فى المادة (65) «تخضع الدولة للقانون».

 

 

7  القضاء المستقل كضمانة لسيادة القانون

 

لاشك أن وجود سلطة قضائية مستقلة يعنى وجود ضمانة قوية لسلامة تطبيق القانون بحيدة وموضوعية، وفى مواجهة كل أطراف المنازعات، ويتطلب القضاء المستقل مقومات أساسية وهى:

 

القضاة وحدهم ومن دون غيرهم مستقلون بتطبيق القانون على المنازعات والدعاوى ولا يجوز لأى جهة فى الدولة أن تتدخل فى أعمال القضاة.

 

القضاة وحدهم مستقلون بإنزال أحكام القوانين الجزئية على الناس ويكون التظلم من تلك الأحكام أمام الجهات القضائية فقط.

 

السلطة العامة تسأل عن أفعالها التى لا تكون محصنة من المسئولية، وتسأل السلطة أمام الجهات القضائية.

 

تعيين القضاة ونقلهم يتم وفقًا لإجراءات مشددة، وتأديبهم وعزلهم لا يكون إلا أمام الجهة القضائية.

8 الفصل بين السلطات

 

يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات أحد المفاهيم الأساسية فى النظم السياسية الحديثة والذى يهدف لحسن سير مصالح الدولة وضمان حريات الأفراد ومنع التعسف والاستبداد وعدم جمع السلطات المختلفة فى يد شخص أو هيئة، وهذا المبدأ الذى أقره «مونتسكيو» يرمى إلى إيجاد التوازن بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية لتمارس كل منها دورها كمؤسسة دستورية.

 

وتتلخص الفكرة الأساسية التى يقوم عليها مبدأ الفصل بين السلطات فى ضرورة توزيع وظائف الحكم الرئيسية على هيئات منفصلة ومتساوية تستقل كل منها عن الأخرى فى مباشرة وظيفتها حتى لا تتركز السلطة فى يد واحدة فتسىء استعمالها وتستبد بالمحكومين.

 

والمبدأ أساسًا يهدف إلى التعاون بين السلطات الثلاث وتحقيق التوازن بينها والرقابة المتبادلة من خلال الفصل النسبى المرن الذى يسمح بالتنسيق بينها.

 

مبررات المبدأ:

 

أ- منع الاستبداد وصيانة الحريات:

 

الغاية الأساسية من فصل السلطات هى تفادى إساءة استخدام السلطة وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم ومنع تركزها فى يد واحدة على نحو يهدد حريات الأفراد ويعرض حقوقهم للخطر، فطبيعة النفس البشرية تجنح إلى الاستبداد استنادًا إلى القول «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، كما تضمن استخدام السلطة فى الصالح العام.

 

ب- ضمانة لاحترام القوانين وتطبيقها تطبيقًا صحيحًا وتأكيد مبدأ المشروعية:

 

إن الفصل بين السلطات هو الوسيلة الفعالة التى تكفل احترام القوانين وتطبيقها تطبيقًا صحيحًا، إذ إن العدالة تنعدم إذا لم تكن سلطة القضاء منفصلة عن سلطة التنفيذ وسلطة التشريع، فلو اجتمعت سلطتا التشريع والتنفيذ فى يد شخص واحد، فإنه قد يشرع قوانين جائرة ليطبقها بطريقة ظالمة، كما أن جمع التشريع والتنفيذ فى يد واحدة تؤدى إلى أن تزول عن القانون صفته الأساسية وهى كونه قواعد عامة مجردة.

 

ج - تحقيق فوائد تقسيم العمل والتخصص:

 

يتفق مبدأ الفصل بين السلطات مع مبدأ إدارى مهم ويعتبر تطبيقًا سليمًا له ألا وهو مبدأ التخصص وتقسيم العمل، وإذا كان المبدأ يطبق بكل المشروعات الناجحة، فإن الدولة أحوج إلى التخصص وتقسيم العمل، حيث إن تقسيم وظائف الدولة بين ثلاث سلطات يؤدى لإتقان كل سلطة لعملها.

 

9 التعددية

إن التعددية السياسية هى إحدى أسس الديمقراطية فى الدولة المدنية الحديثة.. وهى إحدى ضمانات تفعيل المشاركة السياسية والتداول السلمى للسلطة، وترتكز التعددية على الأحزاب التى تعتبر أهم مؤسسات المجتمع المدنى التى من المفترض أن توفر للمواطن فرصًا للمشاركة والتعبير عن قضايا المجتمع المختلفة.

 

ونحن نعنى هنا التعددية بمفهومها الشامل باعتبارها جوهر الحياة الديمقراطية فى أى مجتمع مدنى، والطريق إلى تحقيق التنمية الإنسانية المستدامة، وهنا لا يمكن تجاهل الإشارة إلى التعددية الثقافية كأحد مكونات المجتمع المدنى الحديث، التى تضمن التعايش الإيجابى والسلام الاجتماعى بين جماعات متنوعة ثقافيًا وفى إطار من احترام الاختلاف من خلال صيغة تدعيم علاقة الانتماء المشترك فى الوطن الواحد.

 

وفى مصر، فإن التنوع الدينى يعد أهم ملامح القوى الناعمة التى يمتلكها المجتمع المصرى منذ آلاف السنين، ولم تؤد خبرة التعايش بين المصريين المختلفين فى العقيدة إلى مشكلات كبرى تظل عالقة بالذهنية الجمعية المتوارثة للشعب المصرى، بل إن الدولة المصرية قدمت نموذجًا مهمًا فى إدارة تنوعها الدينى والثقافى.

 

وتعد إدارة التنوع الدينى من القضايا الأساسية التى تمثل محورًا لتعميق التجربة الديمقراطية فى حالة الإدارة الرشيدة للملف، وهنا تبرز بوضوح خطورة الحكم الدينى على السلام الاجتماعى بما يدعمه من خطاب إيمانى استعلائى يساهم فى حالة من الانقسام والاستقطاب والتمييز.

10 محاسبة السلطة

 

 

إن وجود آليات قانونية ودستورية لمحاسبة السلطة ورأسها يعد أحد أبرز سمات دولة القانون، كما أن المرجعية الدستورية لمحاسبة السلطة فى الدولة المدنية تنعكس على نصوص التشريعات المختلفة التى تنظم إدارة الدولة وتحول دون تغوّل السلطة المطلقة، وتؤكد على مبدأ سيادة القانون من خلال إخضاع جميع الإرادات لسلطات القانون.

 

لقد ضربت مصر نموذجًا عمليًا من خلال محاكمة علنية لرئيس الدولة وجميع رموز نظامه، ثم عادت لتؤكد إصرارها على دولة القانون من خلال محاكمة جديدة لرئيس جديد عطل الدستور والقانون.

 

المصادر:

 

- «ما معنى مدنية الدولة»، (دراسة)، للباحث التونسى محمد الحداد

 

- «أسس وركائز تطبيق الديمقراطية»، (دراسة)، د. نويل مبيض.

 

-  «المواطنة»، د. منى مكرم عبيد (المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية)

 

- «المجتمع العربى المعاصر»، د. حليم بركات (مركز دراسات الوحدة العربية)

 

- «القضاء الدستورى فى مصر» د. يحيى الجمل (دار نهضة مصر)

 

- «الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كضمان لنفاذ قاعدة الفصل بين السلطات» (رسالة دكتوراه)، د. حسن مصطفى البحرى (جامعة دمشق)

 

- «إدارة التعددية الدينية: الأقباط فى مصر نموذجًا»، د. سامح فوزى وسمير مرقص (موقع مبادرة الإصلاح العربى)

 

- «الجمهورية الثانية»، محمد شريف بسيونى (دار الشروق)