الأحد 12 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

فنون وإعلام المحتوى الرقمى.. المجىء من المستقبل

لايزال المحتوى الرقمى جاذبًا للتأمُّل فى ظل حضوره المقتدر واضحًا مؤثرًا منافسًا قويّا لمعظم الوسائط الفنية والإعلامية التقليدية؛ خصوصًا فى ظل تداعيات أزمة «كورونا»، ومحاولات العالم للتعايش معها، ولذلك يأتى المحتوى الرقمى للشركات الكبرى العاملة عبر الشبكة الدولية للمعلومات الآن مجالًا حيويّا بالغ الأثر، ويستحق الفهم والتأمل، ولعل أبرز الشركات العاملة فى هذا المجال العملاق الأمريكى نت فليكس (Net flix).



وهو وعدد آخر من الشركات يعملون فى ترويج وعرض الأفلام والدرامات التليفزيونية والبرامج الحوارية والرسوم المتحركة ويستهدفون جمهورًا كبيرًا من الكبار والناشئة والأطفال حول العالم. وهم يعملون فى إطار احترافى يستهدف الأرباح الكبيرة، ويستهدف شأن كل البرامج الموجهة التأثير فى الرأى والذوق العام ورسم الصور الذهنية عبر العالم. إلّا أن «نت فليكس» تُعد الشركة الأكثر انتشارًا على الشبكة الدولية للمعلومات فى مجال البث الرقمى للفنون والمواد الإعلامية؛ حيث يُقدر عدد المستخدمين للشبكة العنكبوتية الفنية الإعلامية عبر زيارة الموقع الخاص بها بنحو 117 مليون مستخدم. إنها إذن تستهدف قيادة المحتوى الرقمى فى هذا المجال عبر العالم وصُنع التأثير الأكبر على الأفراد حول العالم فى إطار صُنع ثقافة مشتركة جديدة. والأمرُ الذى يدفع للاهتمام بعمل شركة «نت فليكس» الآن هو إعلانها مؤخرًا عن اعتزامها إنتاج درامات تليفزيونية عن روايات الراحل «أحمد خالد توفيق» باسم ما وراء الطبيعة، ومرشح لتنفيذ أعمال الدراما المصرية للشركة المنتج «محمد حفظى» والمخرج «عمرو سلامة». وبعيدًا تمامًا عن حساسيات التفاعل الثقافى مع كل ثقافات العالم، وبالنظر إلى سابق إنتاج الشركة فى النطاق العربى نتذكر إنتاجها الأردنى فى دراما «جن»، التى أثارت العديد من الملاحظات ووجهات النظر التى ترى فيها تضادّا مع القيم العربية والتقاليد العامة الحاكمة والإطار المرجعى للجمهور العربى بمرجعياته الدينية وقيم وأخلاق المجتمع العربى. لا شك أن فتْح كل النوافذ على العالم لهو أمرٌ مُهم، ولكن فى ظل أن مصر تاريخيّا كانت هى أكبر منتج ومُسوّق للإبداع والإعلام فى الوطن العربى والمحيط الإقليمى فى وقت كانت البرامج الفنية والإعلامية الموجهة خارج الحدود نادرة، لكنها كانت تخرج وتؤثر، ومن المؤسف أننا لا نمتلك حقوق المِلكية الفكرية لمعظم هذا التراث العظيم، ولا نملك إعادة إطلاقه عبر البث الإلكترونى وإمكانيات المحتوى الرقمى المذهلة، فهل تملك منصاتنا مثل منصة شاهد (watch it) المصرية إطلاق التاريخ وإنتاج مواد للغات الحية فى كل أنحاء الدنيا؟ البرامج الموجهة للمحتوى الرقمى عالمٌ جديدٌ للمنافسة فى التأثير فى الملايين عبر العالم، وهى تجارة إلكترونية ذات أرباح هائلة، وإدارة كبرى للصور الذهنية ولصناعة الرأى العام الإقلايمى والدولى. لا شك أن الوسائط التقليدية من مسارح ودُور عرض سينمائية وشاشات الفضائيات التليفزيونية، بل محطات الإذاعة، وبالتأكيد الصحف والمجلات لاتزال تحظى بالاهتمام الكبير للملايين فى مصر والعالم. إلّا أن معظم المتلقين النشطين حول العالم؛ خصوصًا من الأطفال والناشئة والشباب والمتقاعدين من العمل، والهواة وأنصاف المحترفين فى الفن والإعلام، وأصحاب الصفحات المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعى وغيرهم من محبى الانتقاء والخصوصية فى اختيار المواد الفنية والإعلامية؛ يستخدمون البث المباشر ويتفاعلون مع مواقع المحتوى الرقمى المتعددة وأبرزها جميعها العملاق الذكى «نت فليكس» القادر على الظهور الحى على أجهزة الهاتف المحمول الذكية وأجهزة الكمبيوتر، وشاشات التليفزيون الذكية المتصلة بالشبكة الدولية للمعلومات. فهل ننظر بعين الجد لمسألة المحتوى الرقمى المصرى ليس فى إطار العمل المؤقت كرد فعل لظاهرة التواصل الاجتماعى ولكن فى إطار عمل مؤسّسى ممنهج يستهدف الداخل والخارج معًا ويستهدف التجارة الإلكترونية وحضور الصورة الذهنية لمصر؟ وفى هذا السياق علينا أن نلاحظ بعين الناقد المدقق المحتوى الرقمى بالغ التأثير فى الثقافة العامة والهوية السياسية والنظر بكل اهتمام لمسألة المحتوى الرقمى الفنى والإعلامى الاحترافى؛ لأنه وقبل ظاهرة التباعُد الاجتماعى كان حاضرًا بقوة، وإن ساهمت أزمة «كوفيد 19» فى تأكيد ذلك الحضور، ولأنه قادم وحاضر ومؤثر فى المستقبل أيضًا. المحتوى الرقمى إذن مثير جدّا ومطروح للتأمل فى دوائر النقد، ذلك أن الصور اللا نهائية المتاحة للمشاهدة المنفردة فى كل وقت وفى كل الأماكن هى واقع افتراضى بالغ التأثير على الواقع الحقيقى، ودائرة عمل متنامية بقوة فى مجالات الفنون والإعلام.>