الخميس 28 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

يوميات التمرد على «كورونا» فى الأسواق الشعبية

يظل الرهان الأكبر فى هذه الفترة على «وعى الشعب» بخطورة الوباء، ومساندة الدولة فى جهود مواجهته، ليصبح هذا الرهان عاملًا حاسمًا ومؤثرًا فى محاربة «كورونا»، ومن ثم التمكن من الانتصار عليه، من خلال التزام كل فرد بالإجراءات الوقائية.. ومع بدء انتشار الفيروس التزم المواطنون بالفعل بشكل ملحوظ بإجراءات الوقاية التى أعلنت عنها الحكومة، من تباعد اجتماعى واستخدام الماسكات والجوانتى والمطهرات، فاختفى الباعة الجائلون بالشوارع والأسواق الشعبية، وقلت أعداد المواطنين فى وسائل المواصلات، ومع مرور الأيام بدأ الزحام يعود من جديد، خاصة مع دخول شهر رمضان المبارك، رغم تزايد إصابات فيروس كورونا.



 

وفى جولة قامت بها «روزاليوسف» لبعض الأسواق الشعبية، رصدنا عودة الزحام من جديد وتداعيات ذلك، إضافة إلى مبررات المواطنين الذين يتسببون فيه.

 

انتشار الباعة

 

بدأنا بـ«سوق العتبة» فى وسط القاهرة، الذى يعد من أشهر الأسواق الشعبية على مستوى الجمهورية، فبعد أن ظهرت السوق خالية تمامًا من الباعة مع بداية انتشار الفيروس، تطبيقًا للإجراءات التى اتخذتها الدولة، عاد الزحام مرة أخرى بالسوق التى أصبحت مكتظًة بالباعة والمواطنين، لتشهد كثافًة هائلة رغم تحذيرات الدولة من التكدس، ما يهدد سلامة المواطنين، ويزيد من خطورة انتشار فيروس كورونا.

 

ما إن تطأ قدماك منطقة العتبة، تجد نفسك محاطًا بالزحام الشديد لا تستطيع أن تتحرك شبرًا واحدًا دون الاحتكاك بأحد، فمن لديه وعى يدرك جيدًا أن وجوده فى هذا المكان يضر بحياته، وهناك ضرورة للابتعاد عنه، عشرات الفروشات متراصة إلى جانب بعضها البعض، أمامها الباعة ومئات المواطنين المقبلين على شراء احتياجاتهم من الملابس والأحذية استعدادًا لعيد الفطر المبارك.

 

«مضطر أنزل من بيتى غصب عنى.. الواحد لو فى بيته فلوس هينزل ليه ويعرض نفسه لخطر؟»، هكذا بدأ «حسن»- بائع ملابس- حديثه واصفًا حاله بأن لديه أطفالا ويحتاج إلى مصاريف فضلًا عن مبلغ لدفع الإيجار وفواتير المياه والكهرباء التى تتعدى الألف جنيه شهريًا.

 

وأضاف «حسن»، فى العقد الثالث من عمره، والذى تخرج من كلية تربية والتحق بمهنة مُعلم بالتعاقد من خلال إحدى مسابقات وزارة التربية والتعليم، أنه يعمل يوميًا من الساعة العاشرة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، قائلًا: «إحنا شغالين يوم بيوم، نزولى غصب عنى لعل ربنا يكرمنى بمبلغ ثلاثين جنيها لتكون مصاريف للأسرة».

 

الهروب بالإشارة

 

مطاردة الأجهزة الأمنية للباعة مشهد رئيسى تتسم به منطقة العتبة، فعلى مدار الوقت تأتى «البلدية» ليهرب الباعة مهرولين ببضاعتهم، ما يتسبب فى حالة من الكر والفر والتكدس بين المواطنين، فيتخذ الباعة «الصافرة» إشارة فيما بينهم للتنويه بأن هناك خطرًا وأن قوة من البلدية فى الطريق لهم ليسرعوا بإخفاء بضاعاتهم ومن ثم العودة من جديد بعد رحيل تلك القوة.

 

يقول  «سامح»- بائع- إن الأجهزة الأمنية منتشرة بالمنطقة طوال الوقت من خلال الأفراد والسيارات المتنقلة التى تقوم بحملات على مدار الساعة، مستطردًا: «بس احنا مش بلطجية ومضطرين ننزل علشان الفلوس اللى علشانها بعرض نفسى لخطر رغم إنى خايف على عيالى».

 

وجوه كثيرة بالسوق بعضها يحمل ملامح قاهرية وبعضها من محافظات أخرى، إحدى السيدات كانت تصطحب ثلاثة من أبنائها لا تتخطى أعمارهم الخمسة عشر عاما، قدموا من محافظة الشرقية لشراء ملابس العيد، غير متبعين أى وسائل للحماية بارتداء كمامات، وآخر جاء من الفيوم مصطحبًا ابنه وابنته، جميعهم توجهوا إلى السوق بهدف شراء ملابس العيد، غير عابئين بخطورة الجائحة.

 

 بسؤال الرجل عن مدى قلقه من الزحام وانتقال العدوى، رد مازحًا: «مفيش كورونا غير فى التليفزيون»، مشيرًا إلى أن المواطنين المحيطين بنا، متسائلًا: «فين الكورونا ما الناس ماشية لو فى كورونا كانت ظهرت حالات بين الناس»، أما السيدة التى يظهر عليها علامات الإرهاق، فاكتفت بـ: «خليها على ربنا هو اللى بيسترها معانا.. العيد مش كل يوم والعيال بتفرح باللبس الجديد»!

 

ورصدت «روزاليوسف» أيضًا تكدس المواطنين فى «سوق الأربعاء» بمنطقة البدرشين التابعة لمحافظة الجيزة، الذى شهد زحامًا كثيفًا، على شراء الأطعمة المختلفة لتلبية احتياجات الأسر، وكذلك زحامًا على شراء مستلزمات عيد الفطر، التى باتت فرصةً للباعة لتعويض خسائرهم وحالة الركود التى مروا بها، كما يبدو أن لها أولوية لدى المواطنين، الذين اكتظوا بالمئات وسط حالة من اللا مبالاة، فأغلبهم لا يحرصون على استخدام أى أدوات للوقاية من ماسكات أو جوانتى ومطهرات.

 

 

استغلال موسم

 

«هنموت من الجوع مش من كورونا»، هكذا عبر «عبدالرحمن»، بائع أحذية، عن تخوفه من نقص المال ليس الوباء، موضحًا أنه يضطر للنزول إلى الشارع وسط الزحام وتعريض حياته للخطر لاحتياجه المادى، قائلًا: «نزلت أشتغل مش لاقى أكل.. استلفت من طوب الأرض ووصل الأمر إن بقى عليا ديون 85 ألف جنيه».

 

يأمل «عبدالرحمن» صاحب العقد السادس من العمر، ولديه أسرة مكونة من سبعة من الأبناء، وورشة صغيرة لصناع الأحذية، أن يعوض جزء من خسائره خلال الشهرين الماضيين بموسم الاستعداد لعيد الفطر، مستغلًا حالة الاقبال من المواطنين على الشراء، قائلًا: «نزلت أجيب حتى أكل وشرب لأولادى.. حتى مائدة الرحمن مبقتش موجودة».

 

 ولفت إلى أن الإقبال على الشراء هذا الموسم لم يختلف عن المواسم السابقة، مستطردًا: «الناس مسلماها لله وبيمسكوا فى أى فرحة تنسيهم هم الوباء».

 

وحول عدم التزامه بارتداء الكمامة قال: «الأعمار بيد الله.. لبست الكمامة أو ملبستهاش لو مكتوبلى أتعدى هتعدى»، مشيرًا إلى أن «البلدية» تطارد الباعة ويضطرون لحمل الفرشة والجرى بها لتخبئتها، وإلا سيتم عمل محضر إشغال طريق يكلفه خمسمائة جنيه إضافة إلى عدم القدرة على استعادة بضاعته.

 

واستكمل عبدالرحمن: «لو قعدنا فى بيوتنا مفيش حد هيصرف علينا أو على الدولة.. الحكومة شغالة ومجبرة تسيبنا فى الشارع.. والرئيس هيصرف فلوس قد إيه للناس، هو غصب عنه والشعب غصب عنه.. ربنا يعينه علينا ويعينا على الوباء».

 

فرحة لا تعوض

 

وتقول «فاطمة» سيدة خمسينية من منطقة البدرشين: «احنا بننزل السوق نشترى احتياجاتنا.. هنعمل إيه نموت من الجوع أو نحرم ولادنا من فرحة العيد علشان الفيروس!». وتساءلت: «الفيروس مستمر من شهور ومفيش بلد وجدت له علاج.. معنى كده نوقف حياتنا ونضيع الأيام اللى مبتتعوضش؟»، لافتة إلى أنها تحرص على القيام بكل العادات من شراء كحك العيد والملابس لأولادها.

 

الوجه الآخر

لدى فئة ليست بكبيرة من المجتمع قناعة تامة بأن الوعى بخطورة الوباء والالتزام بالإجراءات الوقائية التى أقرتها الحكومة، ستحميهم وتقى الدولة شر انتشار الوباء بشكل أكبر ويصبح أقل تأثيرًا حتى تتمكن من القضاء عليه، تلك الفئة التزمت التباعد الاجتماعى وعدم الاختلاط منذ إعلان الحكومة عن تلك الإجراءات، فلم يخرجوا إلا للضرورة.

 

تواصلت «روزاليوسف» مع عدد ممن حافظوا على اتباع الإجراءات الاحترازية، واستطلعت آراءهم حول حالة الزحام التى تشهدها الشوارع والأسواق.

 

«إسلام» شاب ثلاثينى يعمل فى مجال التسويق الإلكترونى، التزم منزله واتباع الإجراءات الاحترازية والوقائية حفاظًا على حياته وسلامة زوجته وابنته، ساعده على ذلك استطاعته مباشرة عمله «أون لاين»، يرى أن الشعب ليس لديه وعى أو ثقافة للتعامل مع الكوارث الطبيعية والأوبئة، واصفًا ذلك بـ«كارثة».

 

ويضيف أنه إذا كان هناك سبب لنزول «الطبقة الكادحة» إلى الشارع وممارسة عملهم على الرغم من الحظر فلهم أسبابهم التى تجبرهم على ذلك، مستنكرًا نزول البعض للشوارع «رفاهية»  وتسببهم فى الزحام، خاصة فى وسائل المواصلات، ما يتيح فرصة لانتشار الفيروس.

 

ونوه: «المصيبة بتزيد مع التجمعات مهما حاولنا المحافظة على أنفسنا»، لافتًا إلى أن حالة اللامبالاة التى تتسم بها فئة كبيرة من المواطنين سببها ابتعاد المصيبة عنهم بشكل شخصى، قائلًا باستنكار: «لسه فى ناس بتعتبر الفيروس أكذوبة.. لكنه لو طال حد فيهم هيتعظوا».

 

وأكد إسلام أن الحكومة تقوم بدورها وتحاول السيطرة على الوضع، لكن هناك أشخاصا وصفهم بـ«مستهترين»، مهما حاولت الدولة السيطرة من خلال فرض الحظر سيجدون سببًا لكسر الحظر، مشددًا: «الأهم توعية المواطنين فرفع الحظر لا يعنى عدم وجود كارثة وبائية».

 

«دعاء»، ربة منزل، اضطرت أن تترك عملها الذى فرض عليها النزول فى تلك الفترة حفاظًا على أسرتها، ليتغير نظام حياتها بعد ظهور فيروس كورونا وتصبح ملتزمة منزلها، كما أن زوجها أصبح لا يتوجه إلى عمله سوى ثلاث مرات بالأسبوع فقط، قائلة: «الواحد قاعد مُجبر مش قادر ينزل وحتى لو نزل للضرورة قلقان وخايف».

 

أصبح يصاحب «دعاء» عدم إحساس بالأمان طوال الوقت، بعد تزايد أعداد الإصابة، مشيرة إلى أن ابنها حالته النفسية تأثرت بسبب التزامهم المنزل وعدم الخروج منه منذ شهر مارس، خاصة وأنهم امتنعوا عن الزيارات العائلية «مش بنروح لحد ولا حد بييجى بس فى الآخر الواحد بيحاول يصبر علشان ميكونش السبب فى أذى نفسه أو غيره».

 

اتفقت «منار» مع «دعاء» التى تشابهت معها فى ذات الظروف، فباشرت عملها من المنزل، حفاظًا على أسرتها، وأصبحت تطلب كل احتياجاتها من خلال «الدليفرى»، كما منعت أيضًا الزيارات العائلية، منذ الإعلان عن انتشار الفيروس.

 

وتصف «منار» الأشخاص الذين ينزلون إلى الشوارع لغير الضرورة بـ«غير الملتزمين وليس لديهم أمانة الحفاظ على ذويهم»، مؤكدة أن التعليم والمستوى الاجتماعى ليس له علاقة بالوعى واحترام القانون.

 

وتوضح أن جلوس أبنائها فى المنزل كان له تأثيرًا سلبيًا على نفسيتهم، مشيرة إلى أنها أوضحت لهم أن السبب هو وجود مرض بالخارج يمنعهم من الخروج واللعب فقط بالمنزل. وترى أن الحظر الكامل سيساعد على تحجيم الأزمة ومحاصرة المرض، خاصة فى ظل خروج الشباب بالشوارع وتجمعهم أمام المنازل، وتزايد حالات الإصابة، مختتمة بـ: «ربنا يقوينا لأن الأزمة كلما طالت كلما اشتدت».

 

«مارينا» أجبرتها تقلبات الجو و«عاصفة التنين» التى حدثت فى النصف الأول من شهر مارس على التزام المنزل، ولم تكن تعلم أن التزامها المنزل سيستمر لأكثر من شهرين لسبب آخر وهو جائحة كورونا.

 

تعيش «مارينا» وأسرتها فى منطقة عين شمس، فتشير إلى أن المواطنين كانوا يلتزمون بالإجراءات الاحترازية فى الأسبوع الأول بعد انتشار الفيروس، خاصة فى ظل وجود دوريات للشرطة باستمرار. 

 

تقول: «احنا قاعدين فى البيت من ساعة المطر مبنخرجش غير للضرورة وبابا قاعد أول 14 يوم من الشغل و بقى يروح كام ساعة و يرجع وواخدين كل احتياطاتنا.. ومع ذلك بنلاقى الحالات بتزيد عشان مش كله ملتزم للأسف».

 

وتصف «مارينا» الوضع فى منطقة سكنها بـ«الكارثى« بسبب عدم التزام المواطنين، متنبئة أن يتسبب فى زيادة أعداد الإصابة، متابعة: «الزحمة عندنا ليل نهار وفى أوقات الحظر بليل بيلعبوا كوره ومش فارق معاهم حاجة».

 

 تأثرت حياة أسرة «مارينا» بطبيعة الحال بسبب التزام المنزل، سواء من الناحية الاقتصادية لتقليل والدها ساعات عمله، والنفسية بسبب القلق من ارتفاع أعداد الإصابة خلال وقت قصير لعدم الالتزام.