الخميس 28 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

حكايات من دفتر أطباء مستشفيات العزل!

«جانا العيد أهو جانا العيد، صلاة وتكبيرات تطوف وتطوّق مساجد وميادين المحروسة، فرحة الأطفال بمظاهر الأعياد وتجمّعات الأسر»، طقوس ومظاهر احتفالية لطالما اعتدنا عليها فى مثل هذه الأيام من كل عام، لكن 2020 جاء ومعه فيروس كورونا المستجد الذى خلخل النظام العالمى فالجميع يشكون الوباء القاتل، ومعه توقف كل شىء حول العالم الذى اتخذ تدابيره الاحترازية؛ لمحاصرة «كوفيد- 19»، ومحاصرة انتشاره، ليكون شعار احتفال هذا العام: «عيدك فى بيتك».



هناك، وعلى مقربة من استعدادات مصر والعالم الإسلامى بانقضاء شهر رمضان المبارك وقبل ساعات من تكبيرات العيد المعطّلة، لم يستطع أفراد الطواقم الطبية مشاركة أسرهم مظاهر البهجة بالمناسبة السنوية، فعيدهم سيكون وسط زملاء العمل ومرضاهم بمستشفيات العزل، أجواء غريبة وجديدة لهم ولأسرهم، لكنهم حسموا أمرهم: «مداواة مرضانا هى واجبنا الوطنى والإنسانى»، الذين تخرجوا فى كليات الطب والتمريض ليكونوا رهن إشارة الألم! وعلى الرغم من الإجراءات الاحترازية الصارمة المفروضة عليهم؛ حماية لهم ولمرضاهم، لم تمنعهم الظروف الصعبة التى أبعدتهم عن ذويهم لأسابيع وشهور من محاولة إضفاء البهجة بين مرضاهم والاحتفال معهم، فلا عيد بدون كعك حتى وإن كان تناوله فى المسكن، لتتهادى أغنية «يا ليلة العيد آنستينا» بين جنبات وجدران غرفة «ولاء وزميلاتها» فى زمن كورونا.. فما هى القصّة؟

«هفتقد العيدية والكحك.. وماما بتكلمنى تعيّط»

فى مستشفى عزل النجيلة بمرسى مطروح، تقف الدكتورة أسماء عبدالمقصود، أحد أفراد الطاقم الطبى بالعناية المركزة والتى لم تغادر المستشفى منذ قرابة 60 يومًا تساعد الجميع والابتسامة لا تغادر وجهها الذى يظهر بالكاد من خلف الماسك الواقى، قائلة إنه رغم صعوبة البُعد عن أسرتها، إلاّ أن شعورها بأداء واجبها الوطنى والإنسانى بمداواة المرضى هو ما يهوّن عليها عذابات الفراق وأنين المرضى الذى يأتيها صباح مساء.

 

أضافت أسماء، لـ«روز اليوسف»، أن أفراد الطاقم الطبى بالمستشفى هم أسرتها الثانية، إلاّ أن قضاء العيد بعيدًا عن منزلها هو الاختبار الأصعب لها: «مفتقدة عيدية والدى وكحك العيد من يد أمى اللى بتكلمنى يوميًا وهى بتبكى وتقولى نفسى تقضى العيد معانا، اوعى تكونى مصابة ومخبّية عليا»، مشيرة إلى أن والدتها كانت رافضة انضمامها للفريق الطبى بمستشفى العزل، لكنّها نجحت فى إقناعها بضرورة التواجد لمساعدة زملائها وأداء واجبها فى تقديم الرعاية الكاملة لمصابى فيروس كورونا المستجد.

 

وعن حالة المصابين بالمستشفى، قالت طبيبة مستشفى عزل النجيلة إن هناك 51 حالة حتى الآن، بعضهم طالب بالخروج قبل العيد والبعض الآخر ما زال تحت وقع صدمة الإصابة، إلا أن الفريق النفسى بالمستشفى يؤدى دوره بكفاءة عالية؛ لطمأنة الحالات وإعطائهم دفقة أمل بشفائهم فى القريب العاجل، موجّهة رسالة إلى المواطنين: «نفسى متخرجوش غير للضرورة وتلتزموا بالإجراءات الوقائية، حسّوا بالتضحيات اللى بنقدّمها». 

 

«اشترينا كعك.. وهنوزّع لبعض عيديّة»

 

بروح يملؤها الأمل تحدث مصطفى عطية، أخصائى التمريض، الذى انتقل قبل 3 أشهر من محافظة المنيا إلى مستشفى عزل النجيلة بمطروح، قائلاً إنه يعمل قرابة 12 ساعة يوميًا وأحيانا يتم استدعائه فى أى وقت نظرًا لحالات الطوارئ، رافضًا إجازة إدارة المستشفى التى حرصت أن يأخذوا قسطًا من الراحة؛ لمواصلة رحلة العطاء، عازمين على استكمال دورهم؛ حتى يتحسّن الوضع وتنقضى الأزمة. 

 

بوجه مبتسم تكسوه لمحة حزينة يقول مصطفى، لـ«روز اليوسف»: «أفتقد أسرتى وحزين أننى لن أقضى العيد معهم زى كل عام، كنت بالفعل سأحتفل معهم، لكن ألغيت الإجازة فى الساعات الماضية بعد استقبال حالات جديدة: «أنا عندى طفلين محمود (5 سنوات) وسليم، ومع كل مكالمة يقولوا وحشتنا إنت مش بتيجى ليه؟، وزوجتى أحيانا بتضايق لكن بقولها إن ده شغلى ومينفعش أتخلى عنهم فى الوقت ده، والمكالمة الأصعب من والدى والدتى اللى بيقولى خايف يحصلك حاجة، فى حين أن أمى مش بتنام من يوم ما سافرت». 

 

واستطرد عطية، نافضًا عن ملامح وجهه الحزن العابر وبنبرة تفاؤل يواصل حديثه: «إحنا قررنا فى المستشفى ننسى إننا فى الحجر ونمارس حياتنا الطبيعية حتى لو مش بالشكل الكامل، زمايلنا جابوا كحك لكننا ملزمين بأكله فى غرف السكن لأن ممنوع تناول مأكولات بالمستشفى، وقررنا نعطى عيدية لبعض زمايلنا، وهنفضل مكملين بروح عالية ونؤدى واجبنا على أكمل وجه؛ لأن دى بلدنا ودول ناسنا».

 

أول مرة معملش كحك العيد

 

 

وفى مستشفى عزل بلطيم لا يختلف الأمر كثيرًا، فالواجب الإنسانى ومداواة المرضى هو الهدف الأسمى للطواقم الطبية، حتى وإن كان على حساب أسرهم، لتحكى ولاء طاهر، أحد أفراد الطاقم الطبى بالمستشفى وتقول إنها تعمل 8 ساعات يوميًا ضمن فريق التعقيم المركزى بالمستشفى، لا يفارقها مشهد بكاء أطفالها الصغار، عندما علموا الأسبوع الماضى أن والدتهم لن تقضى العيد معهم. 

 

تواصل ولاء حديثها: «الأمر صعب للغاية أن أقضى العيد بعيدًا عن زوجى وأطفالى وأهلى، فابنى الكبير 7 سنوات ظل يبكى بعدما علم أننى لن أقضى العيد معه: «زوجى كان حزين لأنى هسيب البيت فى وقت فرحة زى ده، والموضوع صعب عليه خصوصًا إن طفلى الصغير عمره سنة ونصف، لكن هنعمل إيه كله علشان المرضى». 

 

وأضافت بأن فيروس كورونا حرمهم من الفرحة هذا العام، ولأول مرة لا تتمكن من أن إحضار كعك العيد لأسرتها، مشيرة إلى أن رفيقاتها فى العمل والمسكن هنّ مَن يهونَّ مرارة أيام العزل فـ«عدلية مراد، إسلام شرف، وسلمى زكى، هنّ رفيقاتى وجزء من أبطال مستشفى بلطيم اللائى تركن أسرهن لقضاء العيد وسط أوجاع الأهالى».

 

 

رسالة أمل: «أنا بحبك زى ابنى»

 

فى مستشفى الشيخ زايد، قال الدكتور أحمد النواوى الذى تنقل بين مستشفيات العزل منذ بداية أزمة كورونا، حتى استقر به الحال فى مستشفى الشيخ زايد منذ 50 يومًا، ينتظره أبناؤه بشرفة منزلهم يوميًا منتظرين عودته إليهم»، قائلاً لـ«روز اليوسف»: «شعور مؤلم أن أكون بعيدًا عن أهلى وأسرتى، لدىّ 3 أطفال حزنوا للغاية عند علمهم أننى لن أقضى العيد برفقتهم، وأنا أيضًا يصعب علىّ ألا احتفل معهم كغيرى من الآباء، أعلم أن هذا واجبى وافتخر بقيامى به، لكنى أب تغلبنى المشاعر أحيانًا». 

 

وأضاف النواوى أن هناك عجزا بعدد الأطباء والفريق الطبى بالمستشفى، فهم 10 أطباء موزعون على 110 حالات، ما يضطرهم للعمل قرابة 12 ساعة يوميًا، لذا فلا وقت للاحتفال بالمناسبات، وكل سعيهم شفاء المرضى ومساعدتهم للمرور من هذا الاختبار الصعب، مؤكدًا أن ما يضمد جراحهم النفسية كأطباء فى العزل المردود الإيجابى للمرضى، مدللًا على ذلك بواقعة مع الدكتور أحمد عادل قائلاً: زميلى أحمد ظل بجوار مريض عمره 70 عامًا بالعناية المركزة بين الحياة والموت، واستفاق بعد 4 أيام وتحسّنت حالته، فطلب قلم وورقة، وكتب عليها للطبيب «أنا بحبك زى ابنى»، فكانت هذه بمثابة شعلة طاقة وسعادة للطبيب الذى نسى حينها كل ما فيه من تعب وإرهاق وفقدان للأمل. 

 

فى المنوفية لا احتفالات داخل مستشفى العزل، فالأطباء قرروا أن يكون الاحتفال بعد شفاء جميع المصابين، ليقول الدكتور حسين محمد، مدير مستشفى حميات ميت خلف بشبين الكوم، إن هناك 50 حالة بالعزل حتى الآن، وكل أفراد الطاقم الطبى من أطباء وتمريض وفنيين وإداريين هم أبطال متكاتفون لخدمة مرضاهم، مضيفًا: «مفيش فرحة السنة دى، مش هنحتفل بالعيد.. إلاّ بشفاء آخر مصاب بالمستشفى إن شاء الله، إحنا خدامين المرضى وفرحتنا هتكون بيهم، طول عمرنا بنحتفل لكننا فى وضع استثنائى ولازم نتحمل ونشيل بعض».