الإثنين 10 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

محاكمة الإيمان.. من التنوير إلى التزوير: اغتيال الأفكار! (الحلقة الثالثة)

باختلاف السنوات والظروف؛ اعتاد المتشددون دينيًا أن يجعلوا من أفكارهم الجامدة عصًا تعطل دوران عجلة التنوير.. كما حاولوا طوال الوقت ترسيخ العداء فى وعى الناس لكل محاولة فتح نقاش حول الاجتهادات الدينية.. من خلال ترويج اتهامات وتكفير كل من يقترب من تلك المساحة.. فالمناظرات التى من شأنها تطوير الأفكار أصبحت أشبه بحلبات الملاكمة يكسب فيها صاحب الصوت الأعلى لا الحجة القوية.  



فى الحلقتين السابقتين رجعنا إلى وقائع المعارك الفكرية التى خاضها طه حسين ونصر حامد أبوزيد، والتى تضمنت تحريضًا مباشرًا على اغتيالهما من التيارات الدينية ونجحت فى اغتيالهما فكريًا ومعنويًا، لكن هذه المرة قرر أصحاب التيار المتشدد ألا تقتصر مواجهة أفكار فرج فودة على النقاش فقط، وكشفوا عن وجههم القبيح بقتله.

 

قضية قتل «فودة» فى يونيو 1992 كشفت جانبًا مهمًا من سيكولوجية التطرف فى مصر، خاصة أن حادث الاغتيال وقع بعد شهور من مناظرته الشهيرة خلال فعاليات معرض الكتاب، أمام الشيخ محمد الغزالى والدكتور محمد عمارة تحت عنوان «مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية».

 

وعلى صيحات شباب جماعة الإخوان: «الله غايتنا والقرآن دستورنا» مارس كل من (الغزالى وعمارة) هوايتهما المفضلة فى تكفير «فودة»، وإعلان ردته عن الدين ما شجع الحضور فى استمرار الهجوم عليه ظنًا منهم أنهم يدافعون عن الإسلام بتلك الطريقة.

 

 ويبدو أن كلمات «فودة» خلال المناظرة كانت كالرصاص فى وجه من حاولوا تكفيره، إذ قال بوضوح تام: «لا اختلاف على الإسلام كدين، ولكن المناظرة اليوم حول الدولة الدينية، وبين الإسلام الدين والإسلام الدولة.. رؤية واجتهاداً وفقهاً.. الإسلام الدين فى أعلى عليين.. أما الدولة فهى كيان سياسى وكيان اقتصادى واجتماعى يلزمه برنامج تفصيلى يحدد أسلوب الحكم».

 

أنهى فودة كلمته خلال المناظرة قائلًا: «أدعو الله أن يهتدى الجميع بهدى الإسلام، وأن يضعوه فى مكانه العزيز، بعيدًا عن الاختلاف والمطامع».. وبعدها سارعت التيارات الدينية بإعلان تكفيره قبل أن يلقى كلامه صدى فى عقول الناس، دفاعًا عما حاولوا بناءه خلال سنوات من ترسيخ لمفهوم الكهانة فى الإسلام، وترسيخ ضرورة عودة الدولة الدينية والخلافة، وهنا تكشفت خيوط اللعبة، والدفاع عن مكانتهم فى المجتمع لا عن الدين كان أوضح من ظهور الشمس.

 

أوراق التحقيق فى قتل فودة، أكدت أن من زعموا الدفاع عن الدين مجرد عصابة دموية رغم تخفّيهم فى ثوب الاعتدال، ففتوى القتل أصدرها أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، محمود مزروعة، ونفذها شابان من الجماعة الإسلامية.

 

الغريب أن أستاذ العقيدة برر فتواه بأن: «فودة أعلن رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية، ووضع نفسه وجنّدها داعيًا ومدافعًا ضد الحكم بما أنزل الله، ومثل هذا مرتد بإجماع المسلمين، ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده».

 

وفى شهادته أمام المحكمة قال الشيخ الأزهرى: «اتصل بى شابان من إحدى الجماعات الإسلامية.. وسألانى عن حكم المرتد.. فأجبت دون تردد «قتله».. فسألانى: وإذا لم يقتله الحاكم؟.. فقلت لهما يكون حكم قتله فى رقاب عامة المسلمين».!

 

وبسؤال أحد الشابين عن سبب قتل «فودة» قال لأنه ينشر كتباً تدعو إلى الكفر والإلحاد.. لكن لم تختلف عقلية الشاب عن شيوخه، فبعدما سأله المحقق: هل قرأت كتبه؟، أوضح أنه لا يقرأ ولا يكتب!

 

الفرق بين القتلة والشيخ محمد الغزالى أنه يستطيع القراءة والكتابة لكن العقول واحدة، إذ دافع الغزالى عن الشابين قائلًا: «إنهما قتلا شخصاً مباح الدم ومرتداً، وهو مستحق للقتل، ففرج فودة بما قاله وفعله كان فى حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، وولى الأمر هو المسئول عن تطبيق الحد، وأن التهمة التى ينبغى أن يحاسب عليها الشباب الواقفون فى القفص ليست هى القتل، وإنما التعدى على السلطة فى تطبيق الحد»!

 

ويرى الغزالى أن قتل فودة كان ضرورة فيناقض ما قاله دفاعًا عن الشابين قائلًا: «إن بقاء المرتد فى المجتمع يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس».

 

 ويبدو أن الشيخ الغزالى قد فهم حديث «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» بمعناه الحرفى، فأصدر بيانًا يدعم فيه الشيخ محمود المزروعة (صاحب فتوى القتل) ويؤكد صحة فتواه، وحمل البيان توقيع الشيخ محمد متولى الشعراوى، ومحمد عمارة وعدد من علماء الأزهر وأعضاء جماعة الإخوان.

 

لكن ما الجريمة التى فعلها «فودة» ليتم الهجوم عليه بكل هذا «الغل»، يمكننا أن نجد إجابة عن ذلك فى سطور كتابه «الحقيقة الغائبة» والتى واجه فيها بكل وضوح مشروع صعود الجماعات الدينية إلى السلطة منذ البداية.

 

ويوجه رسالته لمن أصدروا الفتاوى بقتله قائلًا: «عليهم أن يجاهدوا فى نفوسهم هوى السلطة وزينة مقاعد الحكم، وأن يجتهدوا قبل أن يجهدوا الآخرين بحلم لا غناء فيه، وأن يفكروا قبل أن يكفّروا، وأن يواجهوا مشاكل المجتمع بالحل لا بالهجرة، وأن يقتصدوا فى دعوى الجاهلية حتى لا تقترن بالجهل، وأن يعلموا أن الإسلام أعز من أن يهينوه بتصور المصادمة مع العصر، وأن الوطن أعز من أن يهدموا وحدته بدعاوى التعصب، وأن المستقبل يصنعه القلم لا السواك، والعمل لا الاعتزال، والعقل لا الدروشة، والمنطق لا الرصاص، والأهم من ذلك كله أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم، وهى أنهم ليسوا وحدهم.. جماعة المسلمين».

 

أثبتت الأيام ما قاله فودة قبل عدة سنوات فى وجه جماعة الإخوان: «إن أعجزهم حكم مصر.. هدموا مصر».

 

 وفى موضع آخر من الكتاب نجد كلمات «فودة» تصف ما يحدث الآن بكل تفاصيله: «قوم كرهوا المجتمع فحق للمجتمع أن يبادلهم كرهاً بكره، ولفظوه فحق له أن يلفظهم، وأدانوه بالجاهلية فحق له أن يدينهم بالتعصب وانغلاق الذهن، وخرجوا عليه فحق له أن يعاملهم بما اختاروه لأنفسهم، معاملة الخارجين على الشريعة والقانون، ووضعوا أنفسهم فى موضع الأوصياء على الجميع، وهم أولى الناس بأن يعاملوا معاملة المحجور عليهم، وهم من قبل ومن بعد».

 

ويؤكد مرة أخرى أن مواجهته كانت ضد المتأسلمين لا الإسلام قائلًا: «أساءوا للإسلام ذاته حين ادعوا عليه ما ليس فيه وأظهروا منه ما ينفر القلوب، وأعلنوا باسمه ما يسىء إليه، وأدانوه بالتعصب وهو دين السماحة، واتهموه بالجمود وهو دين التطور، ووصموه بالانغلاق وهو دين التفتح على العلم والعالم، وعكسوا من أمراضهم النفسية عليه.. وهو ما يرفضه الدين، ونرفضه كمسلمين».

 

قُتل «فودة» لكن المواجهة مستمرة.. فلا الجهل ينتهى ولا أوهام السلطة لدى التكفيريين تموت! 