الأحد 12 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

فتنة جوجل لترسيم الحدود!

أكمل برنامج «Google Maps»، أو «خرائط جوجل» عامه الخامس عشر الشهر الماضى. وقد أصبحت الخريطة الإلكترونية، هى الأكثر استخدامًا فى العالم منذ إطلاق التطبيق فى فبراير 2005م، إذْ تستخدم بواسطة أكثر من مليار شخص حول العالم شهريّا، وفقًا لإحصائيات الشركة، التى يُعد برنامجها «خرائط جوجل» من الأعمال التجارية الكبرى، التى تعمل على تحقيق ما يصل إلى 3.6 مليار دولار من المبيعات السنوية بحلول العام المقبل، وفقًا لمحللى البنك الاستثمارى العالمى (RBC).



 

 

أمّا الجديد اليوم فهو محاولة مبرمجى «خرائظ جوجل» لرسم تفاصيل خريطة العالم للمليار مستخدم. لكن، المثير للريبة، هو تغيير البرنامج للخطوط الحدودية للدول، وهى قضية ضمن أخطر القضايا التى واجهت- ولاتزال تواجه- دول العالم، إذْ من شأنها أن تشعل حروبًا لا هوادة فيها، وتسفر عن مزيد من الضحايا. جدير بالذكر، أن الحدود السياسية هى خطوط وهمية من صُنع البشر. ويقوم البرنامج برسمها كخطوط متصلة أو مقطعة على الخرائط، من أجل توضيح الأراضى التى تمارس فيها الدولة سيادتها، واستقلالها، وحق الانتفاع بأراضيها.

 

تتمثل مهمة شركة (جوجل) فى تنظيم معلومات العالم، ولكنها أيضًا تثبتها حسب إرادتها. فمن أقصى الغرب إلى الشرق، شمالًا وجنوبًا، تبدو حدود العالم مختلفة حسب المكان الذى يشاهده منها المستخدم. وذلك، لأن مبرمجى الشركة، وصانعى الخرائط على الإنترنت يغيرونها وفقًا لاختلاف وجهات نظر هؤلاء المستخدمين، حول الأماكن التى يجب أن يتم فيها وضع الخطوط الحدودية، إذْ قال بعض الأشخاص المتصلون بالشركة، الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم، للصحفى «جريج بنسينجر»، إن ترسيم الحدود لا يتأثر فقط بالتاريخ، والقوانين المحلية، بل أيضًا بالتأثير المتغير لأهواء الدبلوماسيين، وصانعى السياسات، والمديرين التنفيذيين للشركة. والمقصود هنا أن خريطة العالم تتغير بحسب الدولة التى يوجد بها المستخدم. 

 

فى المقابل، ادعت الشركة أنها تغير هذه الحدود بشكل محايد، إذْ قالت «إيثان راسل»، مديرة إدارة المنتجات فى (خرائط جوجل): «نحن لانزال محايدين بشأن قضايا المناطق والحدود المتنازع عليها، ونبذل قصارى جهدنا لعرض الخلاف بموضوعية فى خرائطنا باستخدام خط رمادى متقطع». ووفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر، تتشاور الشركة مع الحكومات المحلية، والهيئات الرسمية الأخرى، من أجل المساعدة فى اتخاذ قرار بشأن مكان رسم خطوطها، ويستعين هؤلاء بالخرائط التاريخية، والأحداث، والأخبار. ويتم إجراء تلك التغييرات على الفور، فى هدوء تام ودون الإعلان عنه.

 

ومن جانبه، قال أحد موظفى شركة «جوجل» المتعاقدين، الذى عمل على إصلاح، أو تعديل المشكلات المتعلقة بخرائطها، إنه غالبًا ما يُطلب منهم تغيير الخرائط دون سبب معين، وأن تغييراتهم تصبح نافذة المفعول على الفور. مؤكدًا أن لدى الشركة فريقًا خاصًا، يشار إليه باسم «فريق المنطقة المتنازع عليها».

 

الصحفى «بنسينجر» نشر عدة صور لتغيير ترسيم الحدود لبعض المناطق والدول داخل البرنامج، بحسب اختلاف الدولة التى أجرى فيها البحث. فعلى سبيل المثال: منطقة «كشمير» الجبلية، وهى منطقة شنت «الهند»، و«باكستان» مناوشات متقطعة ومميتة للسيطرة عليها منذ أكثر من 70 عامًا، وراح ضحاياها عشرات الآلاف فى الصراع، إذ يدّعى كلا الجانبين أن موقع «هيمالايا» خاص به. تظهر حدودها على (خرائط جوجل) بالنسبة لمتصفحى الإنترنت فى «الهند»، بأن منطقة «كشمير» تحت السيطرة الهندية تمامًا بخطوط متصلة واضحة، بينما يرى المستخدمون فى أماكن أخرى الخطوط  نفسها للمنطقة كخط منقط، ما يعترف باستمرار النزاع. 

 

تتمثل خطورة هذا الأمر، عند اكتشاف أى مسئول أن حدود بلاده متغيرة أثناء استخدامه لـ(خرائط جوجل) عندما يخرج من دولته، ما قد يشعل صراعًا غير مرغوب. وذلك؛ لأن العصر الإلكترونى، هو المسيطر المؤثر على النظام العالمى فى الوقت الحالى.

 

وهو ما حدث فى الحدود بين «أوكرانيا»، و«روسيا». ففى «روسيا»، يتم رسم «شبه جزيرة القرم» بحدود رسمية بأنها خاضعة للسيطرة الروسية، فى حين أن الأوكرانيين وغيرهم يرون الحدود منقطة. ويُعد الأمر خطيرًا نظرًا لمطالبة الدولتين بشبه الجزيرة من الناحية الاستراتيجية. بعد أن استولت عليها «روسيا» فى عام 2014م. ويشاع أنه تحت ضغط من «موسكو»، قامت شركة (آبل) أيضًا بإعادة رسم خرائطها فى أواخر العام الماضى؛ لإظهار «شبه جزيرة القرم» كإقليم روسى عند مشاهدتها داخل «روسيا». وقال- حينها- المدير السياسى لوزارة الخارجية الأوكرانية «أوليكسى مكييف»، إنه: «لسوء الحظ، هذا يضفى الشرعية على الاحتلال غير القانونى لشبه جزيرة القرم من قبل روسيا». مؤكدًا أنه التقى بمسئولى شركتى (أبل)، و(جوجل) فى محاولة للضغط عليهم فى تغيير رسم الخرائط، وإدانتها.

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل الأمر إلى اعتراف البرنامج بما لا تعترف به الأمم المتحدة، والقانون الدولى، إذْ يمكن لمستخدمى (خرائط جوجل) داخل «تركيا» العثور على جمهورية شمال قبرص التركية، الممثلة فى الثلث الشمالى من دولة «قبرص»، وهو إقليم لا تعترف به الأمم المتحدة، ولا الشركات المنافسة لـ(خرائط جوجل). 

 

هذا بالإضافة إلى المنطقة المائية بين «اليابان»، و«شبه الجزيرة الكورية». فبالنسبة إلى الجميع تقريبًا، تُعرف المنطقة البحرية باسم «بحر اليابان». ولكن، بالنسبة لمستخدمى (خرائط جوجل) فى «كوريا الجنوبية»، فهو مدرج باسم «البحر الشرقى». ناهيك عن «الخليج العربى» الذى يفصل «إيران» عن «المملكة العربية السعودية»، فإنه يعرف أيضًا باسم «الخليج الفارسى»، اعتمادًا على مَن يبحث على الإنترنت. وأيضًا خط الصحراء الغربية، الذى يمثل الحدود الشمالية مع دولة «المغرب». إذْ يختفى هذا الخط بالنسبة للمغاربة إلى جانب اسم المنطقة بالكامل، ما يؤكد أنها تخضع لسيطرتهم الكاملة. وجدير بالذكر، أن منطقة شمال غرب «إفريقيا»، ذات الكثافة السكانية المنخفضة، متنازع عليها بين «المغرب» منذ عام 1975م، والصحراويين الأصليين. 

 

الأزمة الحقيقية أن الملايين حول العالم يعتمدون على تطبيق «جوجل مابس» داخل بلادهم وخارجها، وهو ما قد يخلق أجواء من التشتيت والتشكيك ويُعجل بصراعات مؤجلة.