الأحد 12 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

صفقة الـ «نصف قرن»!

فى الوقت الذى تحارب «واشنطن» شركة «هواوى» الصينية وتتهمها بالتحايل من خلال أجهزتها المختلفة للتجسس على الدول التى تستعين بشبكات الاتصالات التابعة لها، فجرت صحيفة «واشنطن بوست» مفاجأة من العيار الثقيل؛ إذ أزاحت الستار عن عملية استخباراتية أمريكية تجسست فيها «وكالة الاستخبارات المركزية» CIA على عدد من الحكومات حول العالم من خلال شركة سويسرية مفترض أنها تعمل فى مجال تشفير البيانات والمعلومات السرية لتلك الحكومات بهدف تأمينها والحفاظ على سريتها. العملية بدأت منذ عام 1970 واستمرت لعقود تالية ظل خلالها جواسيس «الولايات المتحدة الأمريكية» و«ألمانيا الغربية» يخترقون اتصالات تلك الدول ويتجسسون عليها.



التقرير الذى أعدته الصحيفة الأمريكية بالاشتراك مع «SRF» التى تعتبر أكبر دار إعلامية إلكترونية سويسرية ناطقة بالألمانية وقناة «ZDF» الحكومية الألمانية، كشف النقاب عن العملية «ثيسوراس» التى قامت الإدارة الأمريكية خلالها بالتجسسس على حكومات موالية ومعادية لها، على حد سواء، على مدار أكثر من نصف قرن. الشركة التى قام الـ CIA بالتجسس من خلالها هى ىشركة «كريبتو إيه. جى»، أو CRYPTO AG.

بدأت الشركة بالحصول على عقود لبناء ماكينات إعداد الأكواد أى ماكينات التشفير، وذلك خلال فترة الحرب العالمية الثانية، وبعد حصولها على مبالغ مالية كبيرة أصبحت تسيطر على مجال أجهزة التشفير لعقود طويلة وطوّرت من نفسها، إذ كانت بدايتها مع تروس ميكانيكية ثم دوائر كهربائية وصولًا إلى شرائح السيليكون والبرمجيات. وحققت الشركة أرباحًا بلغت ملايين الدولارات من جراء بيع أجهزتها لأكثر من 120 دولة حول العالم ومن بينها «إيران»، الحكومات العسكرية فى «أمريكا اللاتينية»، والغريمتان النوويتان «الهند» و«باكستان» إلى جانب «الفاتيكان».

لكن السر الذى كان عملاء الشركة من الحكومات يجهلونه هو أن «كريبتو ايه. جى» مملوكة سرًا لـ«وكالة الاستخبارات المركزية» CIA وهى شراكة غاية فى السرية بين الوكالة وأجهزة استخبارات «ألمانيا الغربية»، فقد قامت تلك الأجهزة الاستخباراتية بإعداد أجهزة التشفير بشكل يسمح لها بفك الشفرات المستخدمة من الحكومات لإرسال رسائل مشفرة، وتعتبر هذه العملية واحدة من أهم وأكبر الأسرار المخابراتية خلال «الحرب العالمية الثانية».

الوثائق الخاصة بالعملية تتحدث تفصيليًا عن ضباط الـCIA الذين أداروا البرنامج التجسسى ومسئولى الشركة التى استُخدمت كغطاء لتنفيذ ذلك البرنامج الذى كان اسمه فى البداية «ثيسوروس» ثم تغير فيما بعد إلى «رابيكون» الذى وصفه تقرير الوكالة بأنه «الانقلاب الاستخباراتى الأكبر فى القرن العشرين»؛ حيث كانت الحكومات الغربية تدفع أموالًا طائلة لـ«الولايات المتحدة الأمريكية» و«ألمانيا الغربية» بهدف الحفاظ على أسرارهم بينما تقوم البلدان ، وربما خمس أو ست دول أخرى حليفة لهما، بالاطلاع على اتصالاتهم السرية.

شملت عمليات التجسس مراقبة نظام الملالى فى إيران خلال أزمة الرهائن عام 1979 ومد «بريطانيا» بمعلومات مخابراتية حول الجيش الأرجنتينى خلال «حرب فوكلاند» التى اندلعت عام 1982 بين «بريطانيا» و«الأرجنتين» إلى جانب تتبع حملات الاغتيال فى «أمريكا الجنوبية»، كما سجلت عمليات اختراق الاتصالات تهنئة المسئولين الليبيين لبعضهم البعض بعد تفجيرات «برلين» التى وقعت عام 1986.

ورغم نجاح العملية «رابيكون» فإنها فشلت فى اختراق اتصالات اثنتين من أكثر الدول المعادية لـ«واشنطن» وهما: «الصين» و«الاتحاد السوفيتى» السابق، حيث لم تكن الدولتان عميلتين للشركة، فيبدو أن الدولتين كانت لديهما شكوك حول العلاقة الخفية بين الشركة وشركائها بالمخابرات الأمريكية والألمانية، إلا أن جهازى الاستخبارات نجحا فى اختراق اتصالات دول أخرى مع مسئولى «موسكو» و«بكين»، وأغلب الظن أن تلك الشكوك ظهرت على إثر تسريبات حدثت فى السبعينيات وكشفت عن مراسلات واسعة بين «وكالة الأمن القومى»NSA ومؤسس شركة «كريبتو» فضلًا عن القبض على أحد مندوبى الشركة فى «إيران» عام 1992 والذى كان يجهل أنه يبيع أجهزة تشفير يمكنها فك الشفرات واختراق الاتصالات، ما فجّر الأسرار وكشف جزءًا من الحقيقة التى تم الكشف عنها كاملة الآن.

وهنا  قرر جهاز الاستخبارات الألمانى BND التخلى عن دوره فى العملية فى التسعينيات بينما أصرت «واشنطن» على الاستمرار، حيث اشترت حصة ألمانيا فى الشركة وقررت استمرار الأعمال التجسسية لـ«كريبتو» حتى عام 2018 عندما قررت بيع أصول الشركة وذلك وفقًا لمسئولين أمريكيين سابقين وحاليين.

قرار «واشنطن» بيع الشركة لم يكن بالطبع لخجلها من خداع دول وحكومات على مدى نصف قرن؛ بل بسبب انخفاض أهمية الشركة وضعف دورها فى سوق التأمين عالميًا فى الوقت الحالى بعد التطور الهائل الذى طرأ على تكنولوجيا التشفير عبر الإنترنت، وبالتالى فقد أصبحت هناك وسائل وأساليب أكثر تطورًا وربما أقل تكلفة، فبعد أن كانت أنظمة التشفير القوية حكرًا على الحكومات والشركات الكبرى فقط أصبحت الآن متوافرة وشائعة فى شكل تطبيقات أو apps على أجهزة المحمول.

وربما يفسر ذلك القلق الزائد والهجوم القوى من جانب «الولايات المتحدة الأمريكية» على شركات مثل «كاسبرسكى» الروسية التى تنتج برامج مضادة للفيروسات التى تخترق أجهزة الكمبيوتر وشركة «هواوى» الصينية العملاقة للاتصالات، فـ«واشنطن» بدأت العمل فى مجال التحايل من خلال شركات تشفير أو اتصالات أو تأمين ضد الفيروسات والاختراق بهدف التجسس والقرصنة والمراقبة.. وهو مجال كانت «الولايات المتحدة الأمريكية» تعتبر اللاعب الأهم فيه فى الماضى، لكن مع التطور التكنولوجى أصبح هناك لاعبون آخرون بنفس الاهمية والقدرة والكفاءة، وبالطبع تستطيع «واشنطن» اكتشافهم كونها من أوائل اللاعبين فى المجال.

أما الشركتان اللتان اشترتا شركة «كريبتو إيه. جى» فهما: «CYONE SECURITY» والتى تبيع حاليًا أنظمة أمان للحكومة السويسرية و«Crypto International» التى احتفظت باسم الشركة وشعارها ونشاطها الدولى، وقد صرحت الشركتان بأنهما ليس لهما أى صلة بأى جهاز استخبارات، بينما ادعت الأخيرة أنها ليس لديها معلومات حول امتلاك الـCIA للشركة فى الماضى! وقد جاء ذلك على لسان «أندرياس ليندى» مدير الشركة الذى قال: «إذا كان ما تم الكشف عنه صحيحًا فإننى وعائلتى نشعر بالخيانة وكذلك الموظفون بالشركة وعملائها».

جدير بالذكر أن قصة العملية وتفاصيلها جاءت بناء على بيانات حقيقية من تاريخ «وكالة الاستخبارات المركزية» وحوارات مع مسئولين استخباراتيين غربيين حاليين وسابقين إلى جانب مسئولى شركة «كريبتو» وموظفيها.

رفض جهازا الـ CIA الأمريكى والـ«BND» الألمانى التعليق على ما كشفته «واشنطن بوست» و«ZDF»، لكنهما فى الوقت نفسه لم ينفيا القصة ولم يعقبا على صحة الوثائق التى انقسمت إلى قسمين :الأول تضمن 96 صفحة تحكى عن العملية حتى عام 2004 من جانب وكالة الـ«CIA» وقد أعدها «مركز دراسة الاستخبارات» التابع للوكالة، أما القسم الثانى فجاء فى شكل تسجيل تاريخى شفهى سجله مسئولو الاستخبارات الألمانية عام 2008.

المقارنة بين الروايتين تكشف الخلافات التى وقعت بين البلدين الشريكين فى العملية حول الأموال والسيطرة والحدود الأخلاقية، حيث يتضح مدى شعور الألمان بالفزع من الحماس الشديد لجواسيس الـCIA فى استهداف حلفاء «واشنطن»! لكن الروايتين اتفقتا على النجاح الفائق للعملية والذى فاق توقعاتهما.

يذكر أن الحكومة السويسرية فتحت مؤخرًا تحقيقًا حول القضية للتأكد من المعلومات والوثائق بعد نشرها وافتضاح أمر الشركة. 