الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

مصائب الحروب عند «شركات السلاح».. فوائدُ

أحداث متعاقبة ومتصاعدة شهدتها الأيام القليلة الماضية منذ إعلان اغتيال الجنرال الإيرانى «قاسم سليمانى» قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى الإيرانى والمسئول عن أنشطة إيران وعملياتها السرية فى «العراق» و«سوريا» و«لبنان» خلال السنوات الأخيرة. فبينما أعلن الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» أن عملية اغتيال سليمانى جاءت منعًا لتنفيذ هجمات محتملة كان يخطط لها رجل إيران القوى، هددت  إيران برد قوى وأعلن المرشد العام «آية الله على خامنئى» أن انتقامًا عنيفًا ينتظر «المجرمين» الذين قتلوه.. وهو ما وقع بالفعل بتوجيه طهران ضربة بصواريخ باليستية لقاعدتين أمريكيتين فى العراق مؤكدةً أن تلك الضربة هى «مجرد صفعة والانتقام شيء آخر».



لكن سرعان ما هدأت الدولتان من حدة التصريحات وأعلن وزير الخارجية الإيرانى أن الرد الإيرانى انتهى بينما تغيرت نبرة الرئيس الأمريكى الحادة بين يوم وليلة معلنًا أن بلاده لن ترد على الضربة الإيرانية للقاعدتين العسكريتين ومشيرًا إلى أن على الجميع الشعور بالسعادة أن الضربات لم تسفر عن ضحايا سواء من الجانب الأمريكى أو العراقى! وسواء كان تغير موقف «ترامب» المفاجئ من التهديد والوعيد إلى الهدوء ورفض التمادى فى الصراع بسبب عدم رغبته فى دخول حرب شاملة مع إيران قد تجعله يخسر أصوات الناخبين أو بالفعل لأنه سعيد لعدم سقوط ضحايا فإن النتيجة واحدة وهى انتهاء الأزمة على الأقل فى الوقت الراهن لرغبة الطرفين فى تأجيل الصراع المباشر. وقد يكون «ترامب» قد فضل التهدئة بسبب موقف طهران التى أبلغت العراق بالضربة قبل حدوثها وبالتالى منحت الجانبين العراقى والأمريكى فرصة لإجلاء جنودهما من القاعدتين المستهدفتين. فيبدو أن إيران أيضًا لم ترغب فى رد عنيف على اغتيال سليمانى قد يكلفها خسارة مكاسبها فى الشرق الأوسط ولذلك أبلغت الجانب العراقى بالضربة لتتجنب وقوع ضحايا وبالتالى رد أمريكى عنيف انتقامًا منها. وبعيدًا عن الجوانب السياسية للأزمة وما تمثله من توتر لا تحتمله المنطقة المثقلة بالأزمات أصلًا، فإن المستفيد الأول من تلك التوترات هو شركات صناعة السلاح وتضم الولايات المتحدة الأمريكية 10 من أكبر مقاولى الدفاع فى العالم إلى جانب 43 من بين أكبر 100 شركة إنتاج أسلحة فى العالم. وتعتبر شركة «لوكهيد مارتن» الشهيرة بطائراتها الحربية والطائرات المروحية والصواريخ على رأس تلك الشركات الأمريكية. وتستحوذ تلك الشركات على 59 % من إجمالى مبيعات السلاح التى تقوم بها المائة شركة الكبرى. وقد ارتفعت أسهم الشركة بين ليلة وضحاها أكثر من 416 دولارًا أى 7 %. وهى زيادة شهدتها أيضًا أسهم كل من شركتى «رايثون» و«جنرال دايناميكس». وكلما زادت احتمالات الحرب بين الجانبين سترتفع الأسهم أكثر. المثير أن الخبير الاقتصادى «دين بيكر» مؤسس «مركز أبحاث السياسات الاقتصادية» أشار فى تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعى «تويتر» إلى أن أسهم شركة «لوكهيد مارتن» ارتفعت لأكثر من 2 % بينما ارتفعت أسهم شركة «نورثروب جرامان» إلى قرابة 4 % قبل يوم واحد من تنفيذ عملية اغتيال «سليمانى» وهو ما يشير إلى أن هناك تلاعبًا ما حدث من جانب أفراد كانوا على علم بالتصعيد الأمريكى وتوقعوا أن يكون الرد الإيرانى قويًا وسريعًا وقد تستمر الضربات. دين قال فى تغريدته: «يبدو أن هناك الكثيرين الذين يجب أن يذهبوا إلى السجن»! والمعروف أن السياسيين هم أكبر المستفيدين دائمًا من مثل تلك الأحداث لأنهم يكونوا بحكم مواقعهم وقربهم من رجال الحكم أول من يعرفون بالأحداث قبل وقوعها. ونحن هنا أمام دولة عرفت أن قواعدها ستتعرض لضربة فأخذت احتياطاتها، وسياسيين عرفوا بحادث اغتيال سيفجر صراعًا وربما حربًا فاستفادوا منها واستغلوها لزيادة حساباتهم البنكية وفى النهاية انتهت الأزمة ولم تحدث الحرب، لكن الشركات حققت مكاسب وكذا السياسيين واستفاد أيضًا الرئيس الذى ظهر بصورة الرجل القوى الذى يضرب أعداءه بقوة ثم رجل السلام ورئيس الدولة العظمى التى لا تدخل فى مواجهات لا طائل من ورائها وبالتالى ارتفعت أسهمه فى الانتخابات القادمة.  وقد تكون أيضًا تكلفة الحرب هى ما دفعت الجانبين إلى التهدئة. فقد ذكرت دراسة أمريكية جديدة أن «واشنطن» أنفقت نحو 6.5 تريليون دولار على الحرب والأنشطة العسكرية المختلفة فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2011 وحتى نهاية عام 2019.. وهو رقم يتخطى كثيرًا نفقات الحكومة الأمريكية المتنوعة فى عام واحد. وأشارت الدراسة إلى أن هذا الرقم يتخطى حجم الميزانية الأمريكية العام الماضى بمبلغ 2 تريليون دولار وذلك وفقًا لـ«وزارة الخزانة» الأمريكية حيث بلغت الميزانية 4,4 تريليون دولار. وأوضحت الدراسة، التى صدرت عن «مؤسسة واتسون للشئون الدولية والمحلية» التابعة لـ«جامعة براون، أن أكثر من 801 ألف شخص فقدوا حياتهم خلال تلك العمليات العسكرية بينهم 335 ألفًا من المدنيين لكنها أشارت فى الوقت نفسه إلى أن هذه الأرقام هى مجرد تقييم بسيط يعكس جزءًا من حجم القتلى وليس حصرًا دقيقًا للأعداد التى بالتأكيد فاقت هذا العدد. الدراسة أوضحت الحجم الهائل للنفقات العسكرية الأمريكية..وربما تفسر تلك الأرقام السبب الحقيقى وراء تراجع «ترامب» عن مواجهة إيران لعلمه أن الحرب ستكون باهظة التكاليف وقد تدخل بلاده فى أزمات اقتصادية بلا فائدة حقيقية.