الأربعاء 5 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
هاني عبدالله

كيف تسرق «تل أبيب» النفط العربى؟!

بعد مرور أسبوعين على إصدار أمر بالإخلاء الكامل للقوات الأمريكية، قبل التوغل التركى فى شمال شرق «سوريا»، وتخلى «واشنطن» عن شركائها الأكراد، قام الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» بتغيير رأيه بشأن سحب القوات، وقرر إبقاء بعضهم، ولكن لم يكن السبب المثير هو إعادة الإدارة الأمريكية تفكيرها فيما يخص التخلى عن حلفائها هناك، بل كان السبب هو ما قاله «ترامب» صراحة، أن: «تركنا الجنود الأمريكيين (داخل الأراضى السورية) لتأمين النفط».



وقف الكثير من الخبراء الدوليين عند كلمة (تأمين النفط)، التى أثارت جدلًا واسعًا فى معانيها المتعددة، وإن كان مضمونها معروفًا لعدد كبير من الناس، وهو المضمون الذى دفع وزير الدفاع الأمريكى «مارك إسبير» فى وقت لاحق، إلى الادعاء بأن هناك عاملًا آخر وراء إصرار «الولايات المتحدة» على حماية حقول النفط السورية، وهو منع استخراج النفط السورى وبيعه، من قبل الحكومة السورية، أو «روسيا»! كان أمرًا واضحًا لكثيرين، منذ اشتعال الحرب السورية الداخلية قبل 8 سنوات، وتدخل عدد من اللاعبين الدوليين وغير الدوليين فى الشأن والأراضى السورية. إن الأمر عبارة عن لعبة مصالح، كسائر الأحداث السياسية الدولية التى تحدث فى عالمنا. كما يعد أمرًا معروفًا أن (النفط)، هو أحد الأسباب الرئيسية فى استمرار الأزمة السورية حتى الآن، إذ نشرت عدة تقارير خلال السنوات القليلة الماضية، أشارت إلى «الولايات المتحدة» - تحديدًا- بأنها استغلت أكبر قدر من (النفط)، خلال الأزمة السورية، مثلما فعلت مع «العراق» من قبل، وغيرهما من الدول المستهدفة. ولكن ما أخفته التغطية الإعلامية، هو حقيقة أن اللاعب الرئيسى فى هذا الاستغلال، هو «اللوبى الصهيونى»، الذى لعب دورًا رئيسيًا فى بيع النفط السورى إلى إسرائيل. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة فى الصراع السورى، ربما أعاقت مثل هذه الخطة. ولكنها، تقدم مثالًا واضحًا على الدور السرى الذى - غالبًا - ما يلعبه اللوبى الموالى لإسرائيل فى تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية، وإجراء الصفقات السرية، مما يثير التساؤل: كيف استطاع اللوبى الصهيونى تحريك المشهد، فيما يخص استغلال النفط السورى، ومن قبله العراقى من وراء الستار؟! حاولت بعض الصحف الغربية على استحياء كشف سرقة النفط العراقى، بعد نشر موقع «ويكيليكس»، وغيره من الصحفيين المستقلين، وثائق سرية تثبت هذه الفضيحة، أما استغلال النفط السورى فقد كشفته الصحفية المستقلة «ويتنى ويب»، والمحلل الجيوسياسى لشئون الشرق الأوسط «آغا حسين» منذ أيام.  «العراق» فى الواقع، إن تحركات اللوبى الإسرائيلى خلف الأبواب الأمريكية المغلقة لسرقة النفط السورى، وإرساله إلى إسرائيل، ليست حادثة منعزلة، فقبل بضع سنوات، تلاعب أفراد آخرون على صلة بجماعات الضغط تلك، الموالية لإسرائيل بالسياسة الأمريكية، والحكومة الإقليمية الكردية العراقية (KRG)، من أجل بيع النفط العراقى إلى إسرائيل، دون موافقة الحكومة العراقية. هذه التحركات، بخلاف تلك التى لا تزال تتكشف فى «سوريا»، نفذها المحافظون الجدد الصهيونيون منذ فترة طويلة فى «العراق» من خلال تقوية حكومة إقليم «كردستان»، وإضعاف «بغداد». فبعد احتلال تنظيم «داعش» الإرهابى لمحافظة «نينوى» العراقية (من يونيو 2014، إلى أكتوبر 2015)، استفادت حكومة إقليم «كردستان» من انسحاب الجيش العراقى، واستولت على «كركوك» بشكل غير قانونى وسط الفوضى فى 12 يونيو. وقد تم دعم مطالبتهم بالمدينة، من قبل كل من الإدارة الأمريكية، والحكومة الإسرائيلية. كما ساعد التحالف بقيادة «الولايات المتحدة»، جماعة الأكراد فى تلك المنطقة فى التخلص من «داعش»، وقد أعطى ذلك الحكومة الكردية السيطرة، ليس فقط على خط أنابيب التصدير العراقى إلى ميناء «جيهان» التركى، ولكن أيضًا على أكبر حقول النفط العراقية، وعليه استوردت إسرائيل كميات هائلة من النفط من «الأكراد» خلال هذه الفترة، دون موافقة «بغداد». كما نشرت عدة مواقع غربية إخبارية، أن إسرائيل كانت أكبر عميل للنفط الذى باعته «داعش» من «كركوك» عندما كانوا يحتلونها. إذ كان المهربون الأكراد، والأتراك يقومون بنقل النفط من الأراضى التى تسيطر عليها «داعش» فى «سوريا»، و«العراق»، ويبيعونها إلى إسرائيل. وكان النفط يستخرج من «دير الزور» فى «سوريا»، ومن حقلين فى «العراق»، ومن ثم يتم نقله إلى مدينة «زاخو» الكردية، وإلى مدينة «سيلوبى» التركية، التى تقع بالقرب من نقط الحدود الثلاثية بين «تركيا»، و«العراق»، و«سوريا». حيث يأتى الوسطاء الإسرائيليون والأتراك إلى المدينة، وعندما يتم الاتفاق على الأسعار، يتم تهريب النفط. وقد تم الكشف عن أحد الوسطاء الإسرائيليين، وهو رجل يحمل الجنسيتين اليونانية، والإسرائيلية، معروف باسم «الدكتور فريد»، إذ كان ينقل النفط عبر عدة موانئ تركية، وموانئ أخرى من بين وجهاتها الرئيسية إسرائيل. كما ذكرت جريدة «فاينانشال تايمز» فى أغسطس 2015، أن إسرائيل حصلت على 75 ٪ من إمداداتها النفطية من «كردستان» - «العراق»، وأنه يمر أكثر من ثلث هذه الصادرات عبر ميناء «جيهان». وفى المقابل، لم تتحرك «داعش» لإعاقة صادرات النفط الخاصة بحكومة إقليم «كردستان». وبالعودة للماضى قليلًا، كان موقع «ويكيليكس» قد سرب رسالة بريد إلكترونى، مؤرخة 15 يونيو 2014، أرسلها «جيمس فرانكلين جيفرى» السفير السابق فى «العراق»، و«تركيا»، والممثل الخاص الأمريكى الحالى لدولة «سوريا»، إلى «ستيفن هادلى» مستشار إدارة «جورج بوش» (الابن)، كشف فيها عن خطته لتقديم نصيحة لحكومة إقليم «كردستان»، من أجل الحفاظ على إنتاج نفط «كركوك». كانت الخطة، كما وصفها «جيفرى»، هى تزويد إقليم «كردستان» بالنفط، والسماح بتصدير النفط عبر خط «كركوك - جيهان» إلى إسرائيل. وسرقة نفط «العراق» ، وتعزيز المنطقة الكردية فى البلاد، إلى جانب دعم محاولات الحكومة الإقليمية للحكم الذاتى. يذكر، أنه فى وقت إرسال البريد الإلكترونى، كان «جيفرى» يعمل فى «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى «(WINEP)، وهو مركز للسياسة الخارجية الأمريكية يعتنق آراء المحافظين الجدد ومعروف بتأييده لإسرائيل. بالفعل، شجعت «إسرائيل» منذ فترة استقلال «كردستان»-«العراق»، حيث زودت الأكراد هناك بالأسلحة والتدريب، ودعمتهم بفرق من «الموساد» فى الآونة الأخيرة. كما كانت «تل أبيب» الوحيدة التى دعمت استفتاء استقلال إقليم «كردستان» فى سبتمبر 2017، رغم عدم جدوى الأمر فى وقت لاحق. وهزمت الحكومة العراقية عسكريًا حكومة إقليم «كردستان»، من أجل إقامة الدولة، واستعادت حقول نفط «كركوك».   «سوريا» ادعى المسئولون العسكريون الأمريكيون بعد تصريحات «ترامب» فيما يخص استمرار وجود القوات الأمريكية، أن هذه القوات عبارة عن مجموعة فرعية فى مهمة لمكافحة «داعش»! لكن مكافحة الإرهاب فى الحقيقة لم تكن الدافع الوحيد لبقاء القوات الأمريكية فى «سوريا»، فقد كان هناك لاعب رئيسى، وراء حملة منع هذا الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من «سوريا»، من أجل السيطرة على النفط، وهو «ديفيد ساترفيلد» السفير الأمريكى الحالى لدى «تركيا»، وفقاً لأقوال الصحفية «ويتنى ويب»، و«آغا حسين». تولى «ساترفيلد» منصب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكى لشئون الشرق الأدنى، حيث كان له تأثير كبير على السياسة الأمريكية فى دولتى «العراق»، و«سوريا» إلى جانب عمله عن كثب مع نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكى السابق لدولتى «العراق»، و«إيران». وعلى مدار مسيرته الدبلوماسية الطويلة، كان «ساترفيلد» معروفًا للحكومة الأمريكية، باعتباره أحد أصول المخابرات الإسرائيلية الموجودة فى وزارة الخارجية الأمريكية. المثير انه تم إدراج اسم «ساترفيلد» كمتهم رئيسى، فيما يعرف الآن باسم «فضيحة تجسس إيباك»، رغم عدم توجيه أى تهمة إليه على الإطلاق. وتعرف القضية أيضًا باسم فضيحة «لورنس فرانكلين»، وهو الموظف السابق بوزارة الدفاع الأمريكية، الذى سرّب وثائق سرية تحتوى على معلومات استخباراتية عن «إيران»، إلى جانب وثائق حول طبيعة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين «الولايات المتحدة»، و«إسرائيل»، إلى مدير السياسة فى لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية «ستيفن روزن»، والمحلل الإيرانى البارز فى (أيباك) «كيث فايزمان». وبينما تمت محاكمة «فرانكلين»، حصل «ساترفيلد» على ترقية لاحقًا فى عام 2006، ليكون كبير مستشارى وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك «كونداليزا رايس»، وذلك لأن رؤساءه فى وزارة الخارجية الأمريكية، أثناء إدارة «جورج دبليو. بوش»، قد تدخلوا لإنقاذه من تهم تسريب المعلومات إلى الحكومة الإسرائيلية فى تلك القضية، إذ برر له مديروه أن تصرفه جاء فى حدود سلطته فى تسريب معلومات سرية، من أجل تعزيز مصالح حكومة أجنبية! نجا «ساترفيلد» من هذه القضية لمتانة علاقته مع بعض عناصر المخابرات الإسرائيلية، واللوبى الصهيونى داخل «الولايات المتحدة»، الذى لا يزال على علاقة قوية معهم، خاصة مع بعض أعضاء «المنظمة الصهيونية الأمريكية» (ZOA)، لذلك فإنه ليس من المستغرب أن يكون له دور كبير فى عدم سحب القوات الأمريكية من سوريا، وإن لم يسلط الإعلام الضوء عليه. وقد أكدت «ويب»، و«حسين» أنه يوجد لاعب آخر فى هذه القضية، له علاقات عميقة مع اللوبى الإسرائيلى - الأمريكى، وهو على اتفاق مربح مع الجماعات الكردية المدعومة من «الولايات المتحدة» فى «سوريا»، ألا وهو «مردخاى كاهانا». وقد تم الكشف عن دور «كاهانا» من خلال وثيقة رسمية صدرت العام الماضى عن «المجلس الديمقراطى السورى» (SDC)، الذراع السياسية للأغلبية الكردية، و«القوات الديمقراطية السورية»، المدعومة من «واشنطن»، كانت قد أرسلت إلى شركة «Global Development Corporation» (GDC)، ومقرها ولاية «نيوجيرسى»، التى أسسها ويديرها الأمريكى - الإسرائيلى «كاهانا»، المسيطر على النفط فى الأراضى التى تقع تحت سيطرة «المجلس الديمقراطى السورى». ووفقاً للوثيقة، وافق «المجلس الديمقراطى السورى» على عرض من الشركة لتمثيلهم فى جميع المسائل المتعلقة ببيع النفط المستخرج فى الأراضى التى يسيطرون عليها. المجلس منح الشركة ، بموجب الوثيقة، الحق فى استكشاف، وتطوير النفط الموجود فى المناطق التى يحكمونها. وقد أوضحت الوثيقة، أن كمية النفط التى يتم إنتاجها فى المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الديمقراطية السورية بلغت 125 ألف برميل يوميًا، وأنهم يتوقعون أن ترتفع الكمية إلى 400 ألف برميل يوميًا، ولكن سيكون هذا الفائض رصيدًا أجنبيًا، تحت سيطرة وزارة الخزانة الأمريكية. يذكر، أن بعد نشر الوثيقة، زعمت القوات الديمقراطية السورية أن الورقة مزورة، لكن «كاهانا» أكد صحة ما جاء بالاتفاقية، وشارك الرسالة نفسها مع جريدة «لوس أنجلوس تايمز»، منذ بضعة أسابيع. كما قال «كاهانا» أيضًا، أنه: «فى اللحظة التى تمنح فيها إدارة «ترامب» موافقتها، يمكننا أن نبدأ فى تصدير هذا النفط بأسعار جيدة». أوضح «ويب»، و«حسين» أن «كاهانا» لم يكن لاعبًا رئيسيًا فى تشجيع وتمويل الجماعات المتطرفة فى «سوريا» فحسب، بل تمت الاستعانة به فى توظيف ما يسمى (المتمردين) لاختطاف اليهود السوريين، ونقلهم إلى إسرائيل ضد إرادتهم. كما قام «كاهانا» بتمويل، وتنظيم الرحلة سيئة السمعة للسيناتور «جون ماكين» إلى «سوريا»، حيث التقى (المتمردين) السوريين، بالإضافة إلى ذلك، كان «كاهانا» هو أيضًا العقل المدبر لقضية «قيصر»، حيث أرسل «كاهانا» شخصًا سوريًا يستخدم الاسم المستعار «قيصر» إلى «الولايات المتحدة الأمريكية»، من أجل تقديم ادعاءات تتعلق بالتعذيب والجرائم التى يُزعم أن حكومة «بشار الأسد» ارتكبتها. جدير بالذكر، أن «كاهانا» تربطه علاقات عميقة مع اللوبى الإسرائيلى الأمريكى، بما فى ذلك (WINEP)، حيث يعمل «ساترفيلد» فيه أيضًا كخبير. كما يتشارك «كاهانا» أيضًا بشكل وثيق مع المجلس الأمريكى الإسرائيلى (IAC)، وهى منظمة ضغط مؤيدة لإسرائيل، ويعد «شيلدون أدلسون» ، أكبر مانحى الرئيس «ترامب» والحزب الجمهورى ككل، أحد أهم أعضائها. رغم أن مكائد «كاهانا»، و«ساترفيلد» لتوجيه السياسة الأمريكية، من أجل التلاعب بتدفق الهيدروكربونات السورية لصالح إسرائيل قد تبدو مفاجئة للبعض، فإن هذا التكتيك نفسه تستخدمه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل داخل «الولايات المتحدة»، التى تستخدم الأكراد لبيع النفط إلى إسرائيل بطريقة غير مشروعة، وهى خطة وضعت قبل سنوات قليلة، ولكنها كانت تنفذ فيما يخص «العراق» فقط، ثم شملت «سوريا». وجدير بالذكر، أنه يوجد أفراد آخرون لا يزالون متوارين عن الأنظار، تربطهم صلات عديدة بمنظمات اللوبى المؤيد لإسرائيل، لكنهم لم يكتشف أمرهم بعد مثلما اكتشف أمر «كاهانا»، و«ساترفيلد»، و«دكتور فريد». على كل تشير الأحداث الأخيرة من جانب «البيت الأبيض»، والتحركات داخل «سوريا»، بأن ما نُفذ ليس حدثًا معزولًا، بل هو نمط صهيونى!